مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عطش العدالة بقلم أمجد حسن الحاج

عطش العدالة بقلم أمجد حسن الحاج

 

على هذه الأرض، تتجسد المفارقات في أبشع صورها، حين يغسل الثراء وجهه بالماء الصافي، ويغتسل الفقر بالدمع المالح. هناك في الأعلى، يقف رجلٌ لا يدرك معنى الظمأ، يُسرف في النعمة كأنها ميراث أبدي، يسقي معدناً بارداً بقطراتٍ كان يمكن أن تُحيي صدوراً محترقة بالعطش. تنساب المياه تحت قدميه بلا مبالاة، كأنها تهرب من قسوة ضميره إلى القاع، حيث تنتظرها عيونٌ جافة، وقلوبٌ أنهكها الانتظار.

 

في الأسفل، وجوهٌ غطّاها الغبار، تحمل أنين الحاجة في أوعيةٍ فارغة، تتأمل خيط الحياة المتساقط من عالمٍ لا يسمع صوتها. بينهما مسافةٌ ليست في الطين ولا في الصخر، بل في العدالة المفقودة، في الفهم الأعوج لمعنى الإنسانية. الماء هنا لم يعد مجرد سائلٍ يُروى به الجسد، بل صار رمزاً للرحمة الممنوعة، والحق المسلوب، والكرامة التي تسيل كما يسيل ذلك الخيط البائس نحو الهاوية.

 

يا لهذا العالم الذي يقيس الكرامة بما يملك لا بما يُعطي، ويغسل ضميره بالترف، ثم يترك المقهورين يلتقطون فتات نِعمه المنهارة. كم من أرواحٍ عطشى لا تحتاج إلى ماءٍ بقدر ما تحتاج إلى إنصافٍ ووعيٍ ونبضٍ يُدرك أن قطرةً واحدة يمكن أن تُعيد للحياة معناها.

 

ما أقسى أن يكون الماء وفيراً لمن لا يعرف قيمته، وشحيحاً لمن يرى فيه الخلاص. وما أوجع أن تفيض السماء بالخير، بينما تُحجب الأرض عن العطاش بيد الجشع والأنانية. في ذلك المشهد المرير، تتكلم الأرض بصمتها، وتبكي الإنسانية بصورتها، لتقول: ليست المشكلة في قلة الموارد، بل في ضياع الضمائر.