في وصف ما تبقّى منّي
الكاتب: هاني الميهى
دعنا نتفق، لا على سبيل التهوين، بل على سبيل الاعتراف الصريح،
أن الخذلان ليس حادثة عابرة في الطريق،
بل هو الحدث الذي يعيد كتابة القصة من جديد.
الخذلان لا يطرق الباب،
هو يقتحمه.
لا يمنحك وقتًا للاستعداد،
ولا يترك لك مساحة للاختيار.
تأتيك لطمة خيبة الأمل فجأة،
ثقيلة بما يكفي لتُسقطك أرضًا،
وباردة بما يكفي لتجعلك تشكّ للحظة
إن كنتَ قادرًا على النهوض مرة أخرى.
في تلك اللحظة،
لا تسمع صوت العالم،
ولا ترى وجوه من حولك،
كل ما تشعر به هو ذلك الصمت الداخلي
الذي لا يشبه أي صمت مرّ بك من قبل.
ظاهريًا…
ما زلتَ أنت.
الاسم ذاته، الملامح ذاتها،
الصوت الذي يعرفه الآخرون لم يتغيّر.
لكن في العمق،
في تلك المنطقة التي لا يصلها أحد،
تعرف الحقيقة كاملة دون مواربة:
أن الذي سقط لم يكن مجرد حلم،
ولا مجرد ثقة،
بل كان نسخة منك.
القديم…
الساذج بما يكفي ليمنح دون حساب،
الواثق بما يكفي ليُراهن دون ضمانات،
المُطمئن إلى عالم لم يكن يومًا آمنًا.
ذلك الشخص لم ينجُ.
ولا ينبغي له أن ينجو.
ما نهض بعد السقوط
لم يكن عودة،
بل ميلادًا آخر.
نسخة جديدة،
أقل اندفاعًا،
أكثر وعيًا،
لا تُسرف في التوقع،
ولا تُسلّم قلبها دون شروط.
نسخة تعلّمت أن العالم لا يُدار بالنوايا،
وأن الطيبة وحدها لا تصنع نجاة،
وأن بعض القلوب لا تُخاطَب إلا بالمسافة.
لم تصبح أقسى،
بل صرتَ أدق.
لم تفقد إنسانيتك،
لكنها لم تعد بلا سياج.
وهكذا،
بين ما سقط منك،
وما وُلد داخلك،
تكوّنت المسافة التي يسمّيها الآخرون تغيّرًا،
وتسميها أنت… نجاة.
فالعالم الذي تعيش فيه الآن
لا يحتمل النسخ القديمة،
ولا يرحم من يدخلونه بلا دروع.
إنه عالم غجري،
متقلّب،
لا يعترف بالثبات،
ولا يحفظ الودّ طويلًا.
ولذلك،
كانت النسخة الجديدة منك
ليست خيانة للماضي،
بل ضرورة للاستمرار.
في وصف ما تبقّى منك،
اعلم أن ما بقي
هو الأقرب إلى الحقيقة،
والأجدر بالحياة.






المزيد
بين مد وجزر بقلم شهد طلعت
شفقٌ بلا ثقافة بقلم مريم الرفاعي
هل سينجو الكتاب من تحديات العصر بقلم سها مراد