سارة أسامة النجار
رَمتْ الشَّمسُ فرشاتَها الذهبية في السَّماءِ، بينما زحفت ببطءٍ نحو غمرة البحر المُتعطِش لدفئها، وكأنها تُداعب أمواجَه برفق. وهنا، تحوّلت السَّماء إلى لوحةٍ فنيةٍ مُدهشةٍ، تدرجاتٌ ساحرة من الأحمر المشتعل والبرتقالي المشرب بالذهب والبنفسجي العميق، تَحملنا إلى عالمٍ من التأمل العميق. ونسمات شباط الباردة ترفرفُ بخفةٍ عبر أوراق الريحان العطرة، لتمحو خربشات الرماد التي تُشوه الأفق الممتد.
تمسكتُ بذراعِها، خشية أن أتعثّر في هذا الطريق الوعر . وبينما اشتعلت قناديل الظّلام تدريجيًا، خمدتْ زقزقات الطيور، وتقدم السكون كي يستلم مناوبته الليلية بحذر. كنتُ أنظرُ إلى الأرض، أبحث عن شبرٍ لم يطأه الدمار، كأني أنقب عن إبرة في كومة قشٍ. عقلي يحاول تنظيم خطواتي، لكنه عاجزٌ عن التماسك؛ هنا حفرة امتصاصية، وهناك حجرٌ كبيرٌ، انتبهي، هناك مياه صرفٍ صحيٍ خرجت من مجاريها، وألف إشارةٍ وتنبيهٍ على الطريق.
على النقيض، كانت رفيقتي تصوّب نظرها للأمام، تتأمل بحبٍ طيفَ المناظر الممتدة أمامها. تحررتْ حنجرتها، وبدأت تُغني بشغفٍ، تتفادى نشازَ نظرات المارة، وتضبط الإيقاع بحرفيةٍ، كما لو كانت النغماتَ هي بناتُها، تُغذيهم بحنانٍ وصدقٍ لا يضاهى، كأن صوتها هو الوعدُ الهادئ بأن الحياة رغم تضاريسها، تبقى أجمل.
أعدتُ لها سرد المشهد، لتَتجلى تضادات نظراتنا، فسألتني بابتسامةٍ هادئة: “أيعقلُ أننا نختلفُ في معاني الحياة؟”
انتفضتُ في داخلي، أكتم صدى السؤال في قلبي، وأجبتها بكل هدوءٍ: “كلا، فكلانا يحمل في داخله طاقة أملٍ متجددة، ويعلم أن الحياة رحلة قصيرة مليئة بالتناقضات والاختبارات، وأن ارتداء قبعة الإيجابية هو سر توازننا.” كنت قد حاولتُ تقمصَ شخصيةٍ لا تشبهني، كي أتأكد من ثبات جذوركِ في أرض الأمل، وسط هبات الأسى التي لفحت قلبكِ.
“هنيئًا لكِ، يا ملكة الأمال، لقد انتصرتِ وفزتِ بوسامِ الإدراك الناضج.”
وأكملنا طريقنا، نتجاهل عثراته ونتحدّى تبايناته، ونحن نغني سويًا للحبِ والسلام.
فلا تنكر الواقع، بل اخلق منه حلًا، وامسك باليقين، واعلم أن الخير سيصيبك، فاستعد لاستقباله ببشاشةٍ وأملٍ دائم.






المزيد
لحظات لا تنسى بقلم سها مراد
حين يأتي الأذى من القريب بقلم ابن الصعيد
لا تنظر إلى رزق غيرك بقلم ابن الصعيد