بقلم الدكتورة/اسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي البحث عن الذات وكتاب طوظ
ليس الاستغناءُ قسوةً، ولا جفاءً، ولا انقطاعًا عن مشاعر الإنسان، بل هو فنٌّ راقٍ من فنون النضج النفسي والاتزان الداخلي. هو أن يعرف الإنسان متى يتمسّك، ومتى يترك، ومتى يخفّف تعلّقه بما يؤذيه أو يستنزف طاقته، دون شعور بالذنب أو خوف من الوحدة. فالاستغناء ليس فقدًا، بل تحرّر.
يخطئ من يظن أن الاستغناء يعني اللامبالاة أو إنكار المشاعر، على العكس تمامًا؛ هو اعتراف صادق بالمشاعر، ثم قرار واعٍ بعدم السماح لها أن تتحول إلى قيود تكبّل الروح. فكم من علاقات استمرّت لا لأنها صحّية، بل لأن أحد الطرفين خاف أن يكون وحيدًا، أو اعتقد أن الرحيل فشل، بينما الحقيقة أن البقاء في ما يؤلم فشل أكبر.
وفن الاستغناء يبدأ من الداخل، من احترام الذات ومعرفة قيمتها. حين يدرك الإنسان أنه يستحق معاملة كريمة، وحدودًا واضحة، وطمأنينة لا قلق فيها، يصبح الاستغناء خيارًا طبيعيًا عند غياب هذه المعاني. فالذي يعرف قدر نفسه لا يتوسّل اهتمامًا، ولا يطارد مشاعر باردة، ولا يقبل أن يكون خيارًا مؤجّلًا أو حلًّا احتياطيًا في حياة الآخرين.
كما أن الاستغناء لا يكون فقط عن الأشخاص، بل قد يكون عن أفكار، أو عادات، أو أحلام لم تعد تشبهنا. قد نستغني عن دور الضحية، أو عن محاولة إرضاء الجميع، أو عن السعي الدائم لنيل القبول على حساب راحتنا النفسية. الاستغناء هنا شفاء، لأنه يفتح مساحة للنمو والتطوّر، ويعيد للإنسان توازنه المفقود.
ولا يعني الاستغناء القطيعة التامة دائمًا، بل أحيانًا يكون إعادة ترتيب للمكانة؛ أن تعطي كل شخص حجمه الحقيقي في حياتك، بلا مبالغة ولا إنكار. أن تحب دون أن تفقد نفسك، وأن تعطي دون أن تُستنزف، وأن تبتعد حين يصبح القرب مؤلمًا.
وفي النهاية، فإن فن الاستغناء هو مهارة حياتية لا يتقنها إلا من ذاق مرارة التعلّق الزائد، وتعلّم أن السلام الداخلي أغلى من أي علاقة متعبة. هو اختيار الشجاعة بدل الخوف، والوعي بدل التعلّق، والكرامة بدل الانتظار. ومن أتقن هذا الفن، عاش أخفّ روحًا، وأقرب إلى نفسه، وأكثر قدرة على الحب الصحي الصادق.






المزيد
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم