بقلم: علياء حسن العشري
العنوان :فلسطين… حكاية وطن يسكن القلب ولا تغيب عن الذاكرة
إلى فلسطين، وإلى أهلها الذين أتعبتهم الأيام، وأثقلت قلوبهم الأحزان، ولم تستطع رغم قسوتها أن تنتزع منهم معنى الصمود…
أكتب إليكم اليوم، وأنا أعلم أن الكلمات مهما كانت صادقة، ستظل عاجزة أمام حجم الألم الذي عايشتموه، وأمام حكايات البيوت التي غاب عنها أهلها، والأمهات اللواتي حملن وجعًا أكبر من قدرة الحروف على وصفه، والأطفال الذين عرفوا الخوف في وقت كان من المفترض أن يعرفوا فيه اللعب والضحكات والأحلام.
يا أهل فلسطين…
ربما لا تعرفون أسماءنا، وربما لن تصل إليكم أصواتنا كما نتمنى، لكننا نعرف أسماء مدنكم، ونحفظ ملامح أرضكم، ونشعر أن فلسطين ليست مجرد مكان على الخريطة، بل حكاية تسكن في وجدان كل إنسان عرف معنى الوطن، وكل قلب أدرك أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه لا ينبغي أن يخسر حقه في الأمان والكرامة والحياة.
نعرف أنكم تعبتم…
نعرف أن هناك ليالي مرت عليكم وكأنها لا تريد أن تنتهي، وأيامًا حملت من الحزن ما يفوق قدرة القلب على الاحتمال. نعرف أن بينكم من فقد بيتًا، ومن فقد قريبًا، ومن فقد أمانه، ومن اضطر إلى ترك المكان الذي أحبّه، وربما فقد جزءًا من قلبه في طريق لم يختره.
لكننا نعرف أيضًا أنكم ما زلتم واقفين.
وهذه وحدها حكاية عظيمة تستحق أن تُروى.
فالصمود ليس أن تمنعوا دموعكم، ولا أن تدّعوا القوة في كل لحظة، بل أن تبكوا حين يثقل القلب، ثم تمسحوا دموعكم وتواصلوا الطريق. الصمود أن ينهككم الألم، ثم تبحثوا رغم ذلك عن لحظة حياة، وعن رغيف خبز، وعن كوب ماء، وعن مأوى، وعن ابتسامة تمنحونها لطفل رغم أن الخوف يسكن قلوبكم.
يا شعب فلسطين…
لا أحد يملك الحق في أن يطلب منكم أن تكونوا أقوياء طوال الوقت.
لكم الحق في الحزن، ولكم الحق في البكاء، ولكم الحق في أن تشتاقوا إلى حياة عادية؛ إلى صباح هادئ لا يحمل خبرًا مؤلمًا، وإلى ليلة تمر بلا خوف، وإلى بيت يجتمع فيه أفراد العائلة حول مائدة واحدة، وإلى طفل يركض في الشارع دون أن يلتفت خلفه، وإلى أم تستطيع أن تنام وهي مطمئنة على أبنائها.
لكم الحق في أن تحلموا بحياة تشبه الحياة.
وأريدكم أن تعرفوا أنكم لستم مجرد أرقام أو أخبار عابرة تظهر على شاشات العالم ثم تختفي.
أنتم بشر.
لكل واحد منكم اسم، ووجه، وذكريات، وحكاية، وحلم لم يكتمل. بينكم المعلم والطبيب والطالب والعامل والكاتب والطفل والأم والأب والجد والجدة. لكل واحد منكم مكان يحبه، وصوت يشتاق إليه، وذكريات يحتفظ بها في قلبه.
ولذلك، لا تسمحوا للألم أن يجعلكم تنسون أن لكم حقًا في المستقبل.
سيأتي يوم يحتاج فيه أطفال فلسطين إلى أن يعرفوا أن آباءهم وأمهاتهم لم يكونوا مجرد ضحايا للألم، بل كانوا أناسًا تمسكوا بالحياة رغم كل شيء، وحاولوا أن يمنحوا أبناءهم الأمل حين كان الأمل يبدو بعيدًا.
سيأتي يوم تُفتح فيه النوافذ على صباح أكثر هدوءًا، وتعود أصوات الحياة إلى الشوارع، وتعود المدارس لتستقبل الأطفال، وتكبر الأشجار من جديد، وتُفتح الأبواب التي أغلقتها الأيام، وتجلس العائلات معًا تتحدث عن المستقبل بدلًا من الخوف منه.
لا أعلم متى يأتي ذلك اليوم، ولا أملك وعدًا بموعده، لكنني أؤمن أن الأمل لا يموت لمجرد أن الطريق إليه طويل.
يا فلسطين…
كم من قلب بعيد عن أرضك يشعر بك، وكم من إنسان لا يملك لك إلا الدعاء، لكنه يذكرك كلما رفع يديه إلى السماء.
قد نعجز عن تغيير كل شيء، وقد نقف أمام أخباركم بقلوب مثقلة لا نملك لها إلا الدموع والدعاء، لكننا نستطيع أن نحافظ على إنسانيتنا، وأن نتذكر أن وراء كل صورة إنسانًا، ووراء كل بيت حكاية، ووراء كل طفل حلمًا، ووراء كل أم قلبًا يخاف، ووراء كل أب أمنية بسيطة: أن يرى أبناءه بخير.
يا أهل فلسطين…
إن ضاقت بكم الأرض، فاتسعوا بالأمل.
وإن أثقلتكم الأيام، فتذكروا أن الله يرى دموعكم، ويسمع دعاءكم، ويعلم ما تخفيه القلوب حين تعجز الألسنة عن الكلام.
لا تجعلوا الحزن يأخذ منكم كل شيء.
احتفظوا ولو بقطعة صغيرة من الضوء داخل أرواحكم. احتفظوا بقدرتكم على الحلم، وبحبكم لأطفالكم، وبذكريات من رحلوا عنكم. اجعلوا ذكرياتهم جزءًا من الحكاية التي ستبقى حاضرة في الذاكرة، لا وجعًا يسرق منكم القدرة على الاستمرار.
وإذا سأل العالم يومًا: ماذا تريدون؟
فلا تطلبوا شيئًا لا يستحقه الإنسان.
قولوا فقط:
نريد أن نعيش.
نريد أن ننام دون خوف.
نريد أن نرى أطفالنا يكبرون.
نريد أن نعود إلى بيوتنا.
نريد أن نحلم دون أن نشعر أن أحلامنا مستحيلة.
نريد وطنًا آمنًا، وحياةً تحفظ للإنسان كرامته.
يا شعب فلسطين…
سلامًا على كل أم احتضنت أبناءها وهي تخفي خوفها، وعلى كل أب حاول أن يبدو قويًا بينما قلبه يرتجف خوفًا على أسرته.
سلامًا على كل طفل اضطر أن يكبر قبل أوانه، وعلى كل إنسان فقد شيئًا عزيزًا وما زال يحاول أن يبدأ من جديد.
سلامًا على الذين رحلوا، وعلى الذين ينتظرون، وعلى الذين يحملون في قلوبهم حكايات لا يعرف العالم عنها شيئًا.
وسلامًا على فلسطين، أرضًا وإنسانًا وذاكرةً وحكاية.
ستبقى فلسطين حاضرة في القلوب، لا لأن الحزن أبقاها، بل لأن الإنسان لا ينسى وطنًا ارتبطت به أرواح أبنائه، ولا ينسى شعبًا ظل يبحث عن أبسط حقوقه: أن يعيش بسلام وأمان وكرامة.
وفي النهاية، لا نملك إلا أن نرفع أيدينا إلى السماء ونقول:
اللهم كن لأهل فلسطين عونًا وسندًا، واحفظ الأبرياء، واشفِ الجرحى، وارحم من فقدوا أرواحهم، واربط على قلوب من فقدوا أحباءهم، وأبدل خوفهم أمنًا، وحزنهم فرجًا، وتعبهم راحة، واكتب لهم أيامًا يسكنها السلام والطمأنينة.
إلى شعب فلسطين…
اصبروا ما استطعتم، وتمسكوا بالأمل ما بقي في القلب نبض، ولا تسمحوا لقسوة الأيام أن تطفئ آخر شمعة في أرواحكم.
فحتى في أشد الليالي ظلمة، يبقى الفجر موعدًا لا ينساه الله.






المزيد
لا تمنح أحدًا مفتاح راحة قلبك بقلم إبن الصعيد الهواري
الأشياء التي لا نسمح لأنفسنا أن نشعر بقلم الكاتب هاني الميهي
لكل شخص لون حُب فما لونك بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد