مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

غيبوبة.

Img 20240813 Wa0060

كتب: أبو سفيان محمد الكردفاني

مابين مسارب الضوء والشوف الرهاب

ما بين أصابع الحقيقة المشوهة بالكذب

خوف وترقب درويش بنار هواك حرق

أنا كنت بعتقد أنك وسيلة العالم للخلاص

وأنو الرب اصطفاك وجعلك للعشاق واحة وجنة كما يتفق

في براحات ذاتك الواسعة كما صبر أيوب وولد نوح الضال الغرق

كنت تتسللين خلسة في ارتعاش قلبي لما شاف طيف ابتسامتك شهق.

كلمات كثيراً ما سمعتها منه وهو يزرع المكان ذهاباً وإياباً ، لا تدري إلى أين يذهب ومتى يأتي ، يلقي بكلامه هذا ما بين هذيان وشرود، يكتسي وجهه بالألم والغرابة ، فلا أدري هل هو غزل في محبوبته التي هجرته؟ أم هي نظرته الفلسفية للحياة، لم يعلم أحد من أين أتي ولا متى؟ كل ما نعلمه أنه أصبح من الوجوه المألوفة في السوق، يأتي راكضاً خلف كيس أو قطعة ورق يحاول بشتي الطرق أن يمسك بها، يفردها ويقرأ ما بين سطورها كأنها رسالة منها، مع أن الورقة غالباً تكون بيضاء خالية من كل شيء، إلا أن نظراته وتعابير شفاهه تجعلك تظن أنه يقرأ رسالة طويلة تحمل ما بين طياتها أفراحاً وأحزاناً وبعض نجاحات وكثير من الخيبات، كث الشعر مجعد، يلفه جدائل من خلفه مثل درويش مجذوب، ملابسه المتسخة الممزقة والتي غالباً لا تستر شيئاً كثيراً من جسده، أحياناً تجده نظيف الثياب والبدن ينتعل حذاء جديداً فتعتقد أنه شخص أخر ، ومرات كثيرة تجد أن هنالك خرقة بالية تغطي فقط عورته ، وتجعله مثل الذين عاشوا في زمان سحيق.

يضحك مرة بصوت مسموع وفجأة تتغير ملامح وجهه وتكسوه الجديدة والصرامة والغضب ، في لحظة يتحول إلي وحش يصارع طواحين الهواء، فتجده يحرك يديه كأنما يصف أحدهم ، ثم ما يلبث أن يسقط بشكل درامي تراجيدي كبطل في مسلسل أسطوري، يتضاءل جسده وينكمش على نفسه حتى يكاد يعود جنيناً كما كان في بطن أمه، يلملم عليه شتات نفسه ، ويضم على رجليه ويخفض رأسه كأنما يخاف من أمر ما.

في أشد حالات جنوناً وغرابة تجده قد توقف في كومة من الأوساخ بها كمية من الأحجار والزجاج وغيرها من النفايات، يجلس في وسطها بعد أن يخلع عنه ملابسه ويبقي فقط بسرواله الداخلي أو يسقطه أحياناً ويتجرد من كل شيء، يجلس ويبدأ في عملية تنقيب مملة يبعثر فيها كل شيء، يوزع كل شيء أمامه إلي أكوام عدة ، يجتهد في ذلك كأنه عامل في مصنع للقمامة يحاول جاهداً أن يستفيد من كل شيء فيها ويعيد تدويره، يجعل كوماً كبيراً للحجارة الصغيرة منها والكبير، وأخر يضع فيه الزجاج وأخر للورق، ثم أخر للقوارير الفارغة وهكذا حتى ينتهي من فرز كل القمامة ، فيتجه إلي الورقة ويصنع فيه مثل ما فعل فتجده قد أخرج الورق الأبيض بعيداً ، ثم أتجه إلى الذي به كتابات وأخذ يقرأ فيها كأنما فيها أمر مهم جداً ، فيرمي بجزء كأنما هو تالف لا ينفع، ويحتفظ بأخر ويرتبه كذلك فالمهم عنده يوضع في الأعلى وهكذا حتى ينتهي منه كله.

في خضم بحثه عن وهمه المزعوم ذلك والذي لا يدري أحد ما هو ، تجده أحياناً بعد فراغه من توزيع تلك الكميات يبحث في الأرض بشدة كمنقب للذهب قد وجد بصيص أمل فأخذ يركض خلفه ، فتجده يبحث بشدة ويأخذ أي شيء يساعده في الحفر وهكذا ، حتى يخيل إليك أنه وجد شيئاً ما ، يأخذ بيده يمعن النظر إليه كجواهرجي مخضرم يبحث عن حجر الماس أو حبة لؤلؤ ، ويريد أن يتأكد أنها قطعة أصلية ، يأخذ ذلك الشيء الغير مرئي وينظفه بثيابه أو يدخله إلي فهمه ويحركه فيه إلي أن يقتنع أنه أصبح نظيفاً يلمع على ضوء الشمس المتعامد فوق رأسه ، يأخذه بيده يلمعه مرة أخرى بثيابه المتسخة ثم يدخله إلي جيوبه الممزقة ، وما أن يخطو خطوة حتى يدخل يده في جيبه فيحس أن ذلك الشيء قد سقط منه من خرم ذلك الجيب الممزق ، فيدور على نفسه ينظر في الأرض بتركيز غريب ، حتى يخيل إليك أنه يفض زحمة النمل الذي يدب تحت رجليه وكأنها سيارات في طريق سريع، يضع يديه على رأسه ثم يغطي بها وجهه، ويفتح أصابه وينظر من خلالها فتحس الحسرة قد كست وجهه، يبكي يهبط على رجليه كشخص مصروع ، يضم يديه على جسده كشخص أصابته الحمى بالبرد ثم يبدأ سلسلة جديدة من البحث.