مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

على الّتينةِ صدحَتْ موهِبَتي

Img 20241003 Wa0031

 

كتبت ملاك عاطف

مُنْذُ صِغَري وأنا مُنجَذِبةٌ إلى الطَّبيعةِ كما لو كانتْ مغناطيسًا، كُنْتُ أُطْلِقُ عليها اسمَ جاذِبِّية الملاك؛ لأّنَها كانت دائمًا تنجَحُ في شَدّي إلَيْها كُلّما توارَيْتُ خلفَ جُدُرِ طفولَتي وألعابي.

أتذّكَرُ جَيِّدًا شجرةَ التّينِ العجوزِ الّشامِخةِ خلفَ منزِلِنا، كانَتْ ابْتِساماتُها الواهِنةُُ، وخُطوطُ الّتَجاعيدِ المُرْتَسِمةِ بعشوائِيّةٍ على أوراقِها تُحيي في نفسي رغبةَ الارتِماءِ في أحضانِ أغصانِها، وكأنّها كانت حيلةً تنطَلي على شقاوَتي في كُلِّ مَرّة، وتَدْعوها لِتَسَّلُقِ الشّجرة.

حينَ أصعَدُ كانَتْ تُعَّلِمُني كيفَ أعتَلي قِمَمَ الإنجاز، وحينَ أنزِلُ كانَتِ الأغْصانُ الهَرِمةُ مِنْ تَحتِ أقدامي تهتَزُّ، وتستَعينُ بِرِياحِ الرَّبيعِ؛ لِتَشْرَحَ لي أنَّ أيّمَنا دُوَلُ، وأنَّ الإخفاقَ ما هُوَ إلّا عتبةٌ لِنجاحٍ أكبر. 

كانَ الشّيْبُ الَّذي يغزو عُروقَها ينقُلُ إلَيَّ خِبْراتِ سِنينِهِ المُتَراكِمة، وثَباتُ جذرِها الّصَلْبِ كانَ كشِراعِ سفينةٍ، أو كَقائِدِ سَرِيّةٍ يُوَجّهِ العَواصِفَ إلى حيثُ يُريد، وإذا غلَبَتْهُ كانَ يُنادي على أغصانِهِ آمِرًا إيّاها أن تتشَبَّثَ برقَبَتِهِ، وتُسْنِدَ أقدامَها على ظهرِهِ جَيِّدًا، يالَ عظمةِ عِنايتِهِ الأبَوِيّةِ حينَ تُحيطُ عائِلةَ الّسيقانِ والأغصانِ والعروقِ والأوراقِ وصِغارَ الّثِمارِ على حَدٍّ سواء.

في الخَريف، كانَتْ تسألُ هواءَهُ أن يَفْرُكَ أوراقَها بالحَفيفِ؛ لأنَّها تعرِفُ كما تعرِفُ ماما تَمامًا أنّي أبردُ سريعًا.

وفي الّصَيْفِ حينَ سقطتُ من على أعلى غُصْنٍ فيها، سبقَتْ ارتِطامي وفَرَشَتْ الأرضَ تحتَها لينًا؛ كي تتلَقّفَني بلطافةٍ وحنان!

هذهِ الّشَيْخةُ الكَبيرةُ احتَوَتْني شُهورًا بل سنوات، أنا وأحلامي وآمالي وأهدافي وكُتُبي وأقلامي وخربَشاتي وأناشيدي وقَصَصي، بل إنّها هِيَ من غرزت في فطرتي الإصرارَ، وزرعَتْ في قلبي حُّبَ الكِتابة، وجعلت مِّني بُلبُلةً لا تعرفُ سِوى التّحْليق، لقد عَلَّمَني شُهوقُها أّلا أخضعَ ولا أنحَني ولا أرضى بالإبداعِ القَليل.

هذهِ الّتينةُ كانت صديقةً وأُمًّا وحَبيبةً ومُعَلِّمةً وناصِحةً وجَدّة.

هذهِ كانت أنا، وأنا صِرْتُ هي، ولآنَ ننظُرُ إلى بعضِنا ونضحك، هيَ فَرِحةٌ بتِلميذَتِها فخورة بِها، وأنا مُمْتَنّةً بكل جوارحي شاكِرة لها.