عقوق أب بقلم إسلام محمد
حين نسمع كلمة “العقوق” يتبادر إلى أذهاننا مباشرةً عقوق الأبناء لآبائهم، لكن الوجه الآخر الذي لا يتحدث عنه الكثيرون هو عقوق الآباء أنفسهم لأبنائهم. فالأب، كما أنّ له حقوقاً على أولاده، فإن عليه واجبات جساماً تجاههم، تبدأ من لحظة ميلادهم ولا تنتهي إلا بوفاته. غير أنّ بعض الآباء مع الأسف ينسون أو يتناسون تلك المسؤولية العظيمة، ويعيشون في أنانية مفرطة لا ينظرون فيها إلا إلى ذواتهم، فيتحولون من مصدر أمان ورعاية إلى سبب ألم وجروح نفسية عميقة، وهذا في حقيقته نوع من العقوق الأبوي.
الأب العاق هو الذي يجحد فضل زوجته وأولاده، فلا يرى إلا نفسه، ولا يهتم إلا بمصالحه الخاصة، يقدّم راحته وملذاته على حساب أسرته، ويعاملهم بجفاء وقسوة. فتراه يُفرّق بين الأبناء في المعاملة، يفضّل بعضهم على بعض بلا عدل ولا رحمة، فيزرع في قلوبهم الغيرة والعداوة. وقد ينشغل بنفسه أو بملذاته الدنيوية عن مسؤولياته، فيترك أبناءه بلا توجيه ولا رعاية، وزوجته بلا سند ولا دعم.
ومن صور عقوق الأب أيضاً أن يُهمل النفقة على أسرته، أو يبخل بالمال والوقت والعاطفة، في حين لا يبخل على نفسه بشيء. كما قد يظهر في صورة تحقير للزوجة وعدم احترامها، وكأنها مجرد خادمة وُجدت لتلبية رغباته فقط، متناسياً أنها شريكة حياته وأم أبنائه. هذا الجحود والأنانية لا يدمّر الزوجة والأبناء فحسب، بل يترك آثاراً نفسية واجتماعية بالغة قد تلازمهم طيلة حياتهم.
الأب الذي يظلم أسرته ويقسو عليهم يفقد مكانته الحقيقية، لأنه لم يعد قدوة ولا مصدراً للحماية. بل يصبح وجوده عبئاً عليهم، يطفئ في قلوبهم شعلة الأمان، ويزرع في نفوسهم شعوراً بالخذلان. والخذلان من أقرب الناس أقسى من أي خذلان آخر، لأنه يأتي ممن يفترض أن يكون أول داعم وأحن سند.
وقد حذّر الإسلام من الظلم بكل أشكاله، ومنه ظلم الآباء لأبنائهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم” [رواه البخاري ومسلم]. فعدم العدل بينهم صورة من صور العقوق الذي يرتكبه الأب بحقهم. كما أنّ حرمان الأبناء من العاطفة والرحمة مخالف لطبيعة الأبوة التي فُطر الإنسان عليها.
إن عقوق الأب لأبنائه لا يمر دون أثر؛ فهو يزرع جيلاً مشوهاً نفسياً، يعاني من نقص الحنان، ويبحث عن الحب في أماكن أخرى قد تكون مضرة. كما يؤدي إلى ضعف الروابط الأسرية، وتشويه صورة الأب في عيون أولاده، بل وربما فقدان الثقة في مفهوم الأسرة ذاته.
وفي الختام، يبقى الأب الذي يقدّم نفسه على زوجته وأبنائه، ويجحد حقوقهم، مثالاً مؤسفاً للعقوق، وصورة من صور الأنانية التي لا تليق بمقام الأبوة. فالأب الحقيقي ليس من ينجب فقط، بل من يحسن التربية، ويغرس في أسرته العدل والرحمة، ويقدّم مصلحتهم على مصلحته، ليكون لهم حصناً وسنداً لا عبئاً يثقل كاهلهم.






المزيد
حين تتحول المحنة إلى منحة سرّ النور في قلب الألم،مجلة إيفريست
حين عجز الموت عن إطفاء آخر ما تبقّى من الحب بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
خيبة و عيبة بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد