كتبت منال ربيعي
في أعماق بئرٍ سحيق، حيث الجدران لا تعرف سوى برودة الصمت وصدى الأصوات البعيدة، كانت قطرة ماءٍ وحيدة، باردة كليلة شتوية. لم ترَ من العالم إلا انعكاس السماء فوقها، ولم تعرف دفء الحياة إلا من خلال أحلامها.
وذات ليلة، اقتربت من تلك البئر شعلةٌ متقدة، تتراقص بلونها الذهبي، تحمل دفء الشمس وروح النار. كانت مختلفة عن كل ما عرفته قطرة الماء، وكانت الشعلة بدورها مأخوذة بذاك اللمعان الشفاف الذي لم يشهد مثله من قبل.
تجاذبت أرواحهما كما لو أن الكون قد خلقهما ليكتملا. أرادت الشعلة أن تنطفئ داخله، أن تذوب بين برودته وتصبح جزءًا منه، علّها تجد سكينة لم تختبرها قط. وأراد هو أن يحتويها، حتى لو فقد ذاته وتبخر، فقد كان دفؤها يملأ كيانه بشيء يشبه الحياة.
حين نظرت الشعلة إلى صفحة الماء الصافية، رأت نفسها جميلة لأول مرة، ليست مجرد لهبٍ يلتهم، بل نورٌ يبدد الظلمة، مصدر الدفء الأول الذي صنع الحضارات. ورأى الماء في ضوئها إشراقًا أبديًا، وأدرك أن السماء لا تزال هناك، صافية كما كانت، وأن الحياة لم تنصرف بعد.
ذهبا معًا إلى الحكيم، الذي رأى في حبهما معجزة. بلمسة من سحره، جعل الشعلة تسكن البئر دون أن تنطفئ، وجعل الماء يحتضنها دون أن يتبخر. منذ ذلك اليوم، صار البئر مكانًا لا يعرف الظلمة، وصارت الشعلة وميضًا أبديًا، تنعكس في صفحته الصافية، بينما يعيش كلاهما في تناغمٍ خالد، بين الدفء والهدوء، بين النور والسكينة.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى