كتبت: إسراء عبد السلام.
كنتُ في الطريق ذات يومٍ أنا وبعض أسرتي، وأثناء مرورنَا من أحد المنعطفات حيث بائع الجوافة،وبائع التين،وبائعي الحلوى (حلوى المولد) التي نُثِرت على جانبي الطريق، حيث أقتربَ تاريخ أثنا عشر من ربيعٍ الأول، مولد الحبيب ﷺ، فإذا بأبٍ يمسكُ يد صغيرته ليعبرَا الطريق معًا، وإذ بالفتاة رأت ما نسمّيه بعروسةِالمولد، وكأنّ تلك العروسة المصنوعة من الحلوى ترتدي معطف طويل من اللون الوردي الأنيق، تلك الحلوى التي هي غريبٌ شكلُها حلوٌ مذاقُها، لكنَّها على أي حال يُحبها الصغار ويُحبّون إقتنائها وكأنها تُحفةٌ فنيةٌ عريقة، حيثُ يتهادَا بها الخُطّاب ويفرحُ بها الصغار بنينَ كانوا أم بنات،فالأب وإبنته يسبقونَا بخطوات ليس ببعيدةٍ، وإذ بالفتاة تصيحُ مصوبةً نظرها نحو عروسة المولد الوردية،أبي أريدُ من تلك، أحضر ليّ واحدةً.
ووالدها يجيبها ضاحكًا: هذه أصنامً يا صغيرتي، واللّه حرّم عبادة الأصنام، هل ستأكلينَ أصنامًا؟الفتاة: بضحكةٍ ممزوجةٍ بالتذمر وبقليلٍ من الدبدبةِ في الأرض، أبي لكنَّها على أي حال عروسةً تؤكل لكونها من الحلوىٰ.
وإذ بأبيها يتابع السير ممتعضًا من طلبها عروسةٌ كتلك التي شبهها هو بالأصنامِ من قبل، وكأنها اللات أو العُزّى أصنام الجاهلية.، فكلاهما مرا وغابَ ظلّهم بين الزحام، ولكنّ الموقف لم يغيب عن بالي، فتفكرتُ لتوّي في تلك الضجةُ التي يُحدثها البعض من المتفيهقين كل عامًا عن حلوىٰ المولد، وقولهم أنها بدعةً ولا يجوز شرائها،ولا بيعها،ولا تذوقها حتى ولا هضمها
ودار ببالي أسألة كثيرةً هل حلوىٰ المولد بدعةً؟ ما حكمُ التجارة فيها؟ما مدى صحة موقفُ والد الفتاة ؟هل أثمِت الفتاة؛ لأنها طلبت شيءٍ من الأطعمةِ موجودةٍ في كل المحلات من حولها؟وسيل من الأسألة لا ينتهي، كل هذا دار في ثنايا عقلي في ثوانً معدودة، لكني على أي حال أعشقُ الأسألةُ والبحث عنها، أعشقُ البحث والتقصّي، أعشقُ جمع المعلومات حول موضوعٍ ما والوصول من خلالها لأصلٍ كليٍ منضبط،
فقلتُ لنفسي يا إسراء، ألستِ على طرفٍ من علومِ الدينِ؟ ألستِ تدرسين في تخصصكِ الدراسي الفقة؟
فما الذي يمنعكِ أن تدلي بدلوكِ يا فتاة عصرك؟ هكذا قالتها ليّ نفسي مازحةً، أو مستهزئةً لا أعلمُ، الأهم أنني عزمتُ على الإدلاءِ بدلوي في هذا الأمر وتلك المسألة، رجعتُ بذاكرتي إلىٰ الوراءِ وتذكرتُ أنّ أحد الأمراء الفاطميّينَ أوّل من صنع حلوىٰ المولد وجعلها تصاحبُ في العادة مولد الحبيب ﷺ إعزازًا لهذا اليوم فهكذا كان ظنّه، فالمقصدُ منها مصاحبة مولد رسول اللّه ﷺ بشيءٍ طيب يحبه الناس كالحلوىٰ ولا سيما الفولية،السمسمية، والملْبن،وجوز الهند، والحمصية فقد جرت سنةُ البشر على إحياء الذكرىٰ بما يحبونه من الأطعمة والأشربة وبعض الطرب والغناء، قد جرت سنةُ الإحتفال عند البشر بما يصاحبه بهجةً، وأُنس،وحب فنحن المصريين أحببنا أن يصاحب ذكرىٰ مولد رسول اللّه ﷺشيءً من البهجة التى تتمثل في نثرِ الحلوىٰ في شتىَ الأرجاء، فالمقصدُ ذاته مشروعً كما أنه بوصفهِ غير ممنوعٍ، وهكذا علمني الفقه وعلمني أسَاتذتي، فصحيحً أن رسول اللّه لم يحتفلُ بمولده كما نحنُ عليه الآن، لكنّ ذلك لا يمنعُ ما نحن عليه الآن؛ لأن ليس كل ما طرأ على ساحةِ الدين ولم يكن موجودًا من قبل في عهد رسول اللّه ﷺ صارَ حرامًا، حتى البدعة نفسها ليس بالضرورةِ تكون شيءً محرّم، فأحيانًا بعض البدعِ واجبةً إن ترتبُ علىٰ إحداثها إتيان واجبٌ في الدين، أو مستحبةً إن كانت تؤدي لخيرٍ وزيادة ثوابٍ أو تدخلُ في حيز المباح تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحةُ طالما لم يأتي الشرع بدليل التحريمِ، ومن ثمّ ما دليل التحريم في حرمة الحلوىٰ وأكلها؟ أليست طعامًايؤكل علىٰ أي حال؟ وتخصيصها لذكرىٰ مولد رسول اللّه ﷺ داخلٌ في دائرة المباح، فلا أكلنا لها معصيةّ ولا وجودها مُضر، فتلك طقوس خصصناها لتلك الذكرىٰ، وصارت موسم للتجّارِ والباعة الجائلين، ففيها قدرٌ من النفع العام، ومعروفٌ أن العرف معمولٌ به طالما لم يتعارض مع نصٍ شرعي، ولا يوجدُ في الحقيقة نص يحرّم ما تعارف عليه الناس بإحداث بعض الطقوسُ التي تحدث في نفوسهم البهجة، إذا ما أتتهم ذكرىٰ قيمة وربما يسألُ سائلً كيف نفعلُ ما لم يفعله رسول اللّه ﷺ
ولا صحابته؟
في ذاتِ يومٍ قال ليّ أحد أسَتاذتي في الفقه ليَّ ولزميلاتي، ليس كل ما لم يفعله رسول اللّه حرامٌ علينا فعله، فرسولِ اللّهﷺ لم يكن يركبُ الطائرة، ولا يأكلُ بمِلعقةٍ،ولا يمسكُ هاتف جوالً هل يحق لنا أن نقول يحرم علينا إستخدام ما لم يستخدمه رسول اللّه؟بالطبعِ لا؛ لأن الحياة متجددةً والأعراف متغيرة والعادة في كل الأزمان مُحكّمة، كما تقولُ القاعدة، فينبغي أم نؤصل لكل شيءٍ أولاً قبل أن ننعته بالبدعةِ أو بالضلالة، ينبغي أن نتعلمُ الفقه ونرىٰ الأمر من كل زواياه، ولا ينبغي أن نغلقُ دائرة المباح بأي حالٍ، فالأصل في جميع الأشياء الإباحة مالم يأتي الشرعُ بتحريمه، وأنه طالما أنّ الشيءَ المُحدث على ساحة الدين مشروعٌ بأصله وغير ممنوعً بوصفه، فلا بأس به ولا حرمة فيه وربما يسألُ سائل، فما بال صحة قول أبا الفتاة أليست عروسة المولد تعد من قبيلِ الأصنام ويحرم صنعها وأكلها ؟عزيزي السائل: عروسة المولد ليست أصنامًا، أريتَ إن صُنعت لكَ عروسةً من الشوكولا أو من البسكويت، أو من الفاكهة الطازجةهل كنتَ ستقولُ أنها محرمةٌ أيضًا أم كنتَ ستلتهمها التهامًا؟ فهى شيءً من إبداع صناع الحلوىٰ لا أكثر،
و الأصل أنّ تلك الأشياء مثل عروسة المولد للفتاة والحصان وفارسه للفتى، صُنعت خصيصًا لبهجة الصغار، وفرحتهم
كما نصنعُ لهم الألعاب الكثيرة؛ لأن عالمهم يليقُ به ذلك،
أتذكرُ فرحتي وأنا صغيرةً عندما كانت تحضر ليّ أمي عروسة الحلوىٰ تلك، كما أنّ رسول اللّه ﷺ أخبرنا أن الشيطان قد آيسَ من عبادة الأصنام في شبه الجزيرة العربية، لتوغل الإيمان في الأفئدةِ والأوردة، لكن السؤالُ الأصوب الذي يليقُ بالموقف هل لا يحقُ لنا أن ننفر من شكل تلك العروسة التي صنعت من الحلوىٰ ذات اللون الوردي؟ لا لكونها تُشبه الأصنامُ وما شابه ذلك بل؛ لأن شكلها به كثير من الغِلظة،
أقولُ بكل تأكيد أي إنسان له الحقُ في أن ينفرُ من كل غليظً، فطبيعتنا البشرية أعتادت الجمال والإتقان وما تلك العروسة الوردية إلا خطأُ صانع لم يعتني بصنعته، ولم يُتقن عمله، فجعلها مشوهةٌ أقربُ للقبيح عن الجميل، أقربُ للنفور لا للقبول وهذا ما يجعلُ كثيرً من الناس ذو الأذواق،الرفيعة، الراقية ينفروا منها لكن لا يحقُ لنا بأي حالٍ تشبيهنا لها بالأصنامِ، فهذا تفيهقً وتشدق في الدين، وإنغلاقُ في الأفق وفي سعة العقلِ والإدراك أعلمُ أنّ كفار الجاهلية كانوا يصنعونَ أصنامهم من الحجارة ومن العجوى أحيانًا؛ لذا فنحنُ ننفرُ من شكل كل ما صُنع على تلك الشاكلة، لكنه لا يزالُ محض نفور لا دليلًا للحرمة ولا للبدعة المحرمة.
فوالد الفتاة علّه أراد أن يهذبُ في صغيرته بعض الأمور، وينشأها على التوحيدِ الخالص، لكنه لو تمتع بقدرٍ من الفقه لعلم أن الأمر مباح ولا حرج عليه إن أحضرَ لصغيرته عروسة الحلوىٰ تلك، إدخالُا للسرور على قلبها لا أكثر، ولا سيما أن صنعها من الأساسِ لهذا المقصد.






المزيد
حين خان القلب: بقلم: بسملة عمرو
شئ منى لآ يصعد: بقلم:سعاد الصادق
سعادة تغمر القلب