مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عبير الزمان

Img 20250103 Wa0023

كتبت منال ربيعي 

 

كانت عبير أشبه بنجمة هاربة من السماء، بنقاء بشرتها وعيونها الزرقاء التي بدت كبحيرة عميقة تحمل أسرار الكون. منذ طفولتها، كان جمالها حديث القرية، وأينما مرت، تسابق الرجال ليلقوا عليها نظرة. لكن عبير، رغم كل هذا التهافت، لم تكن تغتر بجمالها، بل حملت روحًا شفافة وأحلامًا بسيطة.

 

كبرت عبير، وازدادت فتنتها إشراقًا. حين بلغت العشرين، جاءها يوسف، الشاب الهادئ المخلص، طالبًا يدها. كان مختلفًا عن الآخرين، لم ينبهر بجمالها فقط، بل رأى فيها عمقًا وحنانًا لا يراه سواه. وافقت عبير على الزواج منه، وشهدت القرية حفل زفاف لم يرَ الناس له مثيلًا.

 

بعد عام من زواجها، اكتشفت عبير حقيقة قاتمة لطالما حاول أهلها إخفاءها عنها: هناك مرض وراثي ينتقل في عائلتها. كان المرض قد أخذ من قبل جدتها وأعمامها، وحتى أمها، لكنه ظل كخيط مظلم في النسيج المضيء لحياتها.

 

لم تمضِ سنوات حتى ضرب القدر أول ضرباته؛ مرض والدها وأخذ يذبل كزهرة مهملة. وقفت عبير بجانبه وهي تشاهده يرحل ببطء، عاجزة عن فعل شيء لإنقاذه. عندما أسلم الروح، شعرت عبير بشيء ينكسر داخلها، لكنها لم تسمح للحزن أن ينال منها، فقد كانت تحمل في أحشائها طفلتها الأولى.

 

مع ولادة ابنتها، شعرت عبير بنور جديد يغمر حياتها. كانت الطفلة نسخة مصغرة منها، بعينيها الزرقاوين وابتسامتها التي تحمل أملًا لا ينطفئ. أنجبت بعدها طفلتين أخريين، وكلما نظرت إلى بناتها شعرت بأنهن امتداد لها، وأنهن كنزها الذي لا يضاهيه شيء.

 

لكن شبح المرض لم يتركها. مع كل لحظة سعادة، كانت تشعر بثقل الخوف يسكن قلبها. ماذا لو جاء المرض ليطرق بابها؟ ماذا لو تركت بناتها يتامى كما تركها المرض وحيدة؟

 

ومع هذه الأفكار، بدأ الحوار العميق بينها وبين يوسف، حيث حاولت البحث عن إجابة للسؤال الذي بات يراودها: ما معنى الحياة عندما تتسرب من بين أيدينا؟