مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

طريق النور بقلم سميرة السوهاجى 

طرق ساعي البريد باب مريم ليُسلِّمها خطابًا من ابنها عادل. كانت لهفتها لا تُوصف، فقد اشتاقت إلى رسائله التي انقطعت منذ ثلاث سنوات قضاها في الغربة. أحسّت من خطواته أن بين يديه بشارة طال انتظارها.

‏ناولها الخطاب، وكانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا. الأولاد في المدارس، والبيوت خالية من الأصوات. مريم امرأة أُمِّيَّة لا تقرأ ولا تكتب، فاستعطفت ساعي البريد ليقرأ لها، لكنه اعتذر بانشغاله، ثم مضى مسرعًا كغيره ممن لا يمنحون وقتًا للمستضعفين.

‏كادت تصرخ من القهر، وهي تتنقّل من جار إلى آخر علّ أحدهم يقرأ لها الرسالة، فكان من يقرأ سطرًا ويتجاهل آخر، ومن ينسى، أو لا يُجيد القراءة. هنا، استيقظ في داخلها صوتٌ جديد… صوت التحدّي.

‏قررت مريم أن تتعلّم، أن تعتمد على نفسها، أن تفكّ قيد الجهل الذي طالما كبّلها. كانت المشكلة الكبرى أن قريتهم لا تحتوي على فصول محو الأمية. ومع ذلك، لم تتراجع. خطرت لها فكرة أن تسافر إلى المدينة “قنا”، وهناك تبدأ رحلتها الجديدة.

‏مع إشراقة صباح اليوم التالي، ارتدت أجمل ما لديها، وأعدّت “مخلّتها” الصغيرة، ووضعت بداخلها كراسًا جديدًا، قلمًا، ممحاة، وقليلًا من الخبز والجبن، وخرجت بخطى واثقة، تحمل حلمًا كبيرًا.

‏ضحك الجيران ساخرين:

‏– “دلوقتي يا مريم قررتي تتعلمي؟ بعد ما شاب ودّوه الكُتّاب؟”

‏لكنها لم تلتفت، لم تعرهم اهتمامًا، كانت عيناها مشغولتين بما هو أبعد… كانت ترى نفسها معلّمة تكتب على السبورة بكل فخر.

‏حين وصلت إلى قنا، فاجأها الزحام والسيارات، فشعرت بالرهبة والضياع. لم تكن تعرف إلى أين تذهب، ولا أين تجد فصول محو الأمية. بدأت تسأل هنا وهناك، تسير في الشمس، والتعب ينهش قدميها، حتى دهمها الجوع والإنهاك.

‏جلست تستظلّ بجانب شاحنة كبيرة محمّلة بصناديق البيبسي، وأخرجت ما تيسر من طعامها، وقبل أن تنتهي من لقيماتها، تحرّكت الشاحنة فجأة، وسقطت بعض الصناديق فوقها!

‏تجمّع الناس حولها، وسارعوا بإنقاذها، فتحوا المخلّة ووجدوها تضم دفترًا نظيفًا، قلمًا جديدًا، وممحاة صغيرة، كأنها تقول: “ما زال الحلم حيًّا”.

‏لكن الله كان لطيفًا بها، فقد أصيبت بجروح خفيفة فقط، وساعدها رجل طيّب يعمل في التربية والتعليم، ودهش من عزمها وإصرارها. وعدها بأن يساعدها في الالتحاق بأقرب فصل لتعليم الكبار.

‏وهكذا بدأت مريم رحلتها، حرفًا بعد حرف، حتى صارت تكتب اسمها بيدها، وتقرأ الرسائل دون وساطة. بعد عامين، نالت شهادة محو الأمية، ثم التحقت بالإعدادية، ثم الثانوية، حتى أصبحت مَعلمة محبوبة، ووقفت ذات يوم أمام صفٍّ من النساء تقول بفخر:

‏”أنا مريم… التي كانت لا تعرف حرفًا، واليوم أُدرّس لأمثالي.”

‏وفي آخر اليوم، فتحت درج مكتبها، وأخرجت أول خطاب من عادل، قرأته بصوتٍ مرتجف، لكن هذه المرة… بلسانها وبفخر، دون أن تحتاج لأحد.