مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

شهقة

Img 20250130 Wa0025

 كتب وليد اسماعيل علي

 

مرحباً بك، قارئ هذه السطور. أرجو أن تكون بخير، هيا لنتسامر قليلاً، ودعني أقص عليك قصتي.

 

أنا جعفر، وقد بلغت السابعة والخمسين من عمري. لكن دعني أروي لك ما حدث معي في أيام الشباب.

 

كنت آنذاك طالباً أدرس الشريعة والقانون وأصول الفقه في إحدى الجامعات، أعيش حياة هادئة وسط عائلتي السعيدة، وكان الجميع يشهد لي بالصلاح والتقوى، فلم أكن أترك صلاة إلا وأديتها في جماعة، وكنت مصدر فخر لوالدي.

 

كنت متعلقاً جداً بجدتي، أقضي معها معظم وقتي، نستمع لبعضنا ونضحك كثيراً. كانت حياتي غنية بحب الأسرة ودفئها. لكن، شاء القدر أن أفقد جدتي، وكان رحيلها صدمةً لي، إذ دخلت في حالة من الحزن والاكتئاب لم أتمكن من التخلص منها بسهولة.

 

وذات يوم، بينما كنت جالساً مع بعض الشباب، دعاني أحدهم إلى احتفال في منزل أحد الأصدقاء، وقال إنني ربما أخرج قليلاً من عالم الأحزان. وافقت على الدعوة، ويا ليتني لم أفعل. كان الحفل مليئاً بالمحرمات: المخدرات والكوكايين وأنواع الخمور. عرض علي أحدهم أن أجرب الكوكايين، فرفضت أولاً، لكن الفضول تغلب عليّ وقلت في نفسي: “مجرد شهقة واحدة وسأخرج كل أحزاني”. استسلمت وأخذت شهقة من ذلك السم القاتل، فشعرت بهدوء وسكينة لم أعهدها، وعندما عدت إلى المنزل نمت نوماً عميقاً.

 

تسللت تلك الراحة إلى نفسي، وبدأت أفكر في تكرار التجربة، لكن ضميري كان يعيدني إلى رشد، محذراً من الطريق الذي أسلكه. للأسف، كان الشيطان أقوى، وبدأت أذهب مع أصدقائي بشكل شبه يومي لأتعاطى الكوكايين، حتى أصبحت مدمناً كلياً. أهملت دراستي، وكنت أخدع أهلي بأني أذهب إلى الجامعة، بينما لم أكن أذهب فعلاً.

 

وذات يوم، أخبرني أحد الأصدقاء أنه لن يمنحني جرعة أخرى إلا إذا دفعت ثمنها، وكان الثمن مرتفعاً. عدت إلى المنزل في حالة صداع شديد، وطلبت من والدي المال بحجة حاجيات الدراسة، فأعطاني المال. اشتريت الجرعة، وهكذا، تكرر الأمر، وصرت أحتال على والدي ووالدتي لأحصل على المال. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل بدأت أسرق أشياء من المنزل: لابتوب أختي، وهاتف أخي، وكل شيء يقع في نظري.

 

أصبح الشك يحوم حولي، وذات يوم، انكشف أمري، وواجهني والداي. بدلاً من الاعتذار، تهجمت على عائلتي، وهددت أختي الصغيرة بسكين كي تعطيني المال. نظرت إلي والدتي بحرقة، وخلعت خاتمها وقالت: “خذ، اخرج، لا تجعلني أراك مجدداً، وعليك لعنتي”. وقال لي أبي: “من الآن أنت ميت في نظري”.

 

لم أكترث لما قالوه، بل كنت سعيداً بما حصلت عليه. ومنذ ذلك اليوم لم أعد إلى المنزل، وكنت أسكن عند صديق لي، أسرق لأشتري الجرعة وأتعاطى يومياً. حتى جاء يوم وتم القبض عليّ في كمين من إدارة مكافحة المخدرات، وحكم عليّ بالسجن خمس سنوات في مصحة لعلاج الإدمان.

 

في البداية عانيت كثيراً، لكن مع مرور الأيام بدأت أستجيب للعلاج، وأعلنت توبتي. استعدت صلتي بالله، وكنت أقرأ القرآن بانتظام. بعد أربع سنوات خرجت لسلوكي الحسن، وقررت العودة إلى أهلي طالباً العفو، لكن قوبلت بالرفض. ومع ذلك لم أفقد الأمل، وواصلت الدعاء. بعد محاولات عديدة، قبلوا اعتذاري، ورضي عني والديّ.

 

استكملت دراستي وتفوقت، وعدت إلى طريقي المستقيم حتى أصبحت إماماً لأحد المساجد وخطيباً في صلاة الجمعة، وتزوجت وأنجبت بفضل الله، وأنقذت حياتي التي ضاعت بسبب “شهقة” صغيرة.