شهدي بقلم صافيناز عمر
هذه الحياة المليئة بالوجوه العابرة والعلاقات المؤقتة، يظل وجود بعض الأشخاص أشبه بالمعجزات الصغيرة التي يزرعها الله في دروبنا ليخبرنا أن الخير لا ينقطع، وأنه مهما ضاقت بنا الطرق، فهناك دائمًا يد خفية تدفع إلينا بنعمة لم نتوقعها. تلك النعمة بالنسبة لي كانت شهد… صديقتي، وأختي التي لم تلدها أمي، وسكني الذي أجد فيه راحتي حين يثقلني العالم.
منذ أن عرفتها أدركت أن هناك أرواحًا تُخلق وفي داخلها طاقة من الحنان قادرة على تضميد جراح الآخرين دون جهد أو تكلف. كانت كلماتها بالنسبة لي مثل بلسمٍ يهدئ كل ما توجع داخلي، وكانت ضحكتها كنسمةٍ خفيفة تأتي فجأة لتزيح عني غبار الحزن. ومعها فقط، تعلمت أن الصداقة ليست مجرد تواصل يومي أو ذكريات مشتركة، بل هي أمان… هي يقين أن هناك من يراك كما أنت، ويحبك رغم كل شيء.
قبل أن تدخل شهد حياتي، كنت أحمل داخلي تراكمات كثيرة من الخذلان. كنت أظن أن فكرة الصديقة الحقيقية مجرد وهم، وأن الوعود في النهاية تُكسر، وأن كل من يقترب يرحل حين تشتد الحاجة إليه. لكن حضورها جاء ليمسح تلك الصورة الباهتة، وليعلمني أن الله لا يترك قلبًا مكسورًا دون أن يزرع فيه بلسماً جديدًا. كانت عوضًا جميلاً، عوضًا يفوق كل الألم السابق.
شهد ليست مجرد اسم، بل معنى يليق بها تمامًا. فكما أن الشهد هو خلاصة العسل، أصفى ما يخرج من قلب الزهر، كذلك هي خلاصة الطيب والصدق والوفاء. اسمها يترجم حقيقتها، فهي نقية، صافية، تدخل القلب بلا استئذان وتترك فيه أثرًا لا يزول. حين أناديها باسمها، أشعر وكأنني أستدعي كل الحلاوة التي افتقدتها من قبل، وكأن الدنيا تبتسم لي فقط لأنها وضعت في طريقي إنسانة تحمل هذا الاسم.
هي لم تكن مجرد جسر أعبر به من الحزن إلى الفرح، بل كانت الطريق كله. في وجودها شعرت أنني لست مضطرة إلى التظاهر بالقوة طوال الوقت. معها فقط كنت أستطيع أن أتكلم دون خوف، أن أبكي دون خجل، أن أضحك من أعماقي دون حساب. هي المكان الذي يُشبه البيت، الدفء الذي يعيدني إلى نفسي في كل مرة أضيع فيها.
وليس الأمر أنني لم أجد من يضحكني أو يؤنس وحدتي من قبل، لكنني لم أجد أحدًا يُدرك عمق وجعي دون أن أتحدث، ولم أجد من يقرأ صمتي كما لو كان كتابًا مفتوحًا سواها. شهد تملك تلك القدرة الفريدة على فهم ما وراء الكلمات، على ملاحظة أبسط التفاصيل، على أن تمد يدها في الوقت المناسب وكأن قلبها مربوط بقلبي بخيط خفي لا ينقطع.
وفي أصعب لحظات حياتي، حين شعرت أنني وحيدة أمام كل ما يثقل كاهلي، كانت هي الاستثناء. لم تتركني، لم تتردد، بل وقفت بجانبي بكل ما تملك من حب. لم تكتفِ بأن تكون حاضرة بالكلمات، بل كانت فعلًا وحضورًا ودفئًا حقيقيًا. وحين أتذكر تلك اللحظات الآن، أدرك أن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بالمدة أو عدد الذكريات، بل بصدق المواقف وعمق الحضور.
معها اكتشفت أن العلاقات التي تُبنى على النقاء تظل أعمق وأطول عمرًا من أي شيء آخر. لم أعد أخاف من المستقبل بقدر ما كنت أخاف من قبل، لأنني ببساطة أعلم أن شهد ستكون جزءًا منه. وجودها جعلني أؤمن أن الحب ليس حكرًا على العلاقات العاطفية، بل هناك حب أعظم وأصدق، حب صديقة تعرف كيف تمسك قلبك بصدق وتمنحه الأمان.
أحيانًا أسأل نفسي: كيف كان سيكون شكلي اليوم لو لم تدخل شهد حياتي؟ وأجد أن الإجابة مرعبة. كنت سأظل غارقة في حزني، مسجونة في دوامة من الوحدة، فاقدة الثقة في كل ما حولي. لكن الله أرسلها، ووجودها في حد ذاته رسالة تقول: “ما دام هناك شهد في حياتك، فلا خوف من الغد”.
أحبها لأنها لم تحاول أن تغيرني، بل أحبّتني كما أنا. أحبها لأنها جعلتني أؤمن أنني أستحق الحب والوفاء. أحبها لأنها ببساطة كانت دائمًا المرآة التي تعكس أجمل ما في داخلي حتى حين أنكره على نفسي. ومعها فقط، أشعر أنني أقوى، أنني قادرة على مواجهة العالم بأكمله، لأنني أعلم أنني لست وحدي.
شهد… يا صديقتي التي عوضتني عن كل ما سبق، يا وردة نبتت في صحراء قلبي اليابس، يا أجمل منحة وهبها الله لي في لحظة ضعف. أشكر الله عليك في كل سجدة، وأدعوه أن يحفظك لي ما حييت. فلو سألوني عن المعنى الحقيقي للجبر، سأجيب: هو أن يرزقك الله بصديقة مثل شهد. ولو سألوني عن اليقين في أن الحب ما زال موجودًا في هذا العالم، فسأذكر اسمها دون تردد.
لقد علمتني شهد أن بعض الصداقات ليست عابرة، بل هي قدر مكتوب، وملاذٌ يمنحك الطمأنينة وسط صخب الحياة. لذلك سأظل أحملها في قلبي كما لو كانت جزءًا مني، وسأظل ممتنة لكل لحظة جمعتنا. فشهد ليست فقط من عوضتني عن الماضي، بل هي أيضًا وعدي الجميل مع المستقبل، ونعمة سأظل أحمد الله عليها كل يوم.






المزيد
ما يداويه الوقت بقلم الكاتب هانى الميهى
صعودٌ لا يلتفت للضجيج بقلم خيرة عبد الكريم
أنثي تتحدث عن نفسها بقلم عبير عبد المجيد الخبيري