مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

شعرٌ أبيض يتساقط في قلب الحب – الكاتبة سيّدة مالك

 شَعَرٌ أبيض يتساقط في قلبِ الحُب

بِقلم :- سيّدة مالك
.
.
ذهب الماعز بعيدًا ، ولملمت العصافير صغارها نحو مهدها ، ظنّ الكلب الذي نهض بسرعة راكضًا أن جمال هو جميل صديقهُ الذي مات ، لكن ليس بوسعِ جمال أن يكون جميل أبدًا .
السماء أجمل اليوم ، والله ينظر إلينا قال جمال بينما يدخل إلى حديقة منزلهِ القديم ، كان شعرهُ أبيضًا ولا يعلم هل فعلَ ألمُ فِراق ليال كل هذا في حياتهِ ، عندما كان ابن عشر سنوات كان أطول من أُمه وكانت تضحك حتى تكشِفَ عن لسانِها فتقول ويحي يا بُني أنتَ أطولُ منّي فَكبُر وهو أطولُ منها ومن جميع أفراد المنزل ، بدا نحيلًا وشاحبًا ، تذَكَّر والدهُ وهو يقول لجارهِ أحدُ أبنائي لا يأكل إلا قليلًا لهُ يا مسعود سيقانُ دجاجة . لكن بكل مافيه من عللٍ واضحة تعلّم أن يقوم بأمورِ المزرعة فكان يرتدي لبس مُزارعٍ مُجتهد ، حاول أن يرتدي بدلةً في زواجهِ ثم رَبَطَ عُنقَهُ حتى أحمّر وجهه نجا من الموت مُختَنِقًا ولم يَعُد إلى فعلها ابدًا .

في يومٍ شديد الحرارة تزوّج جمال من ليال وكانت كلما شاهدتهُ قالت بِشرَتُكَ مثل قشدة اللبن يا جمال فيحمرُّ خجلًا من قولها .
يَعُدُّ هذه الليال في التفاصيل ، يقول هي في صوتِ الملائكة ، وفي حبّات التُراب التي على قميصهِ ، في السُحب التي تنظُر إليهِ ولا ينظر إليها ، في عيونِ قطٍ عابِر ، قال في نفسه أنّ حبيبتهُ ليال في التفاصيل ، بل هي التفاصيل كُلّها .
وقف في منتصف الحديقة وأخذ يُردّد ‏صباحُ الخير يا أيتُها الأزهار البليدة ، توقفي عن التحديق إليَّ ، وانظري في اتجاهِ رَذاذِ المطر ، فيومًا سَتكبُرين ويومًا سيموت غُصنُكِ الأخضر ، فلن أعطيكِ من دمي ولا أمنحكِ قلبي .
نظرَ إلى نفسه ، هل يبدو مجنونًا ، وهو يتحدّثُ إلى الأزهار ؟
هل تحتاجُ إلى دمهِ فعلًا ؟
كان كلما غضب من زوجتهِ قصّ شعرهُ ، حتّى أمسى حليق الرأس .
فيجِدُها في الصباح تُلملم شَعرهُ وتلصقهُ بشعرِها وتبكي ، تقول له سينبتُ لك وردًا جديدًا فلا تبتئس ، كم بكت كثيرًا ، كم بكيا في هذه الحياة معًا .
لكنّ موتَ ليال كان قاسيًا ، سقطت من السطح ، ألقت بنفسها عندما وجدتهُ وقد صار أصلعًا بسببِها ، ليال الرقيقة لم تتحمّل ، تركتهُ ينام ثم سقطت ، وجدها ميتة في الصباح قُرب أقدامِ كلبِ الجيران ، كانت نبتةٌ من الأرض مُلتصقةً بِعنُقِها ومشت على سطح جبهتِها دودةٌ خضراء .
مَوتُها جعلهُ يُكلّم الحيوانات والشجر .

عند باب منزلهِ كتب ليال حبيبتي أنتِ في كل التفاصيل ، أعدّي الشاي فإني قادم وأحمل إليكِ شَعري وقد صار أبيضًا وكثيفًا ووردًا أحمر من الحديقة .