مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

شاركني طفولتي – الكاتبة صافيناز عمر

” شارَكَنِي طفولتي “

ك/ صافيناز عمر
“هل تدرك كم غمرتني سعادة خفيّة حين تحدثتُ معك عن طفولتي؟ تلك الطفولة التي كنت أحملها كسرٍّ ثقيل في أعماقي، وكأنها صندوق مغلق لا يجرؤ أحد على فتحه. كنت دائمًا أخشى أن يرهقني البوح، أو أن أجد من يستمع لي ببرود، لكن معك الأمر بدا مختلفًا تمامًا. شعرتُ وكأنني أمام مرآة آمنة، أستطيع أن أواجه ذاتي القديمة دون خوف، وأن ألقي ببعضٍ من أعبائي التي طالما أنهكتني.

وما جعل تلك اللحظة أكثر وقعًا في نفسي، أنك أنت أيضًا تجرأت على أن تزيح عن قلبك بعضًا من أثقالك. استمعتُ إليك وقلبي يضيق وجعًا، كأن حزنك تسلل إلى أعماقي، وأشعرني أن الجراح لا تخصك وحدك. ومع ذلك، وسط كل هذا الألم، كان هناك شعور بالطمأنينة والامتنان. فرحت لأنك وثقت بي، لأنك لم تخشَ أن تكشف هشاشتك أمامي، ولأنك منحتني شرف أن أكون مستودعًا لأسرارك ووجعك.

تلك الثقة بالنسبة لي ليست أمرًا عابرًا، إنها أسمى من أي كلام. لأن قليلين فقط يجرؤون على أن يظهروا ضعفهم، وقليلون هم الذين يسمحون للآخر أن يرى وجعهم دون أقنعة. ولحظة أن فعلتَ ذلك، شعرت أن رابطًا مختلفًا نشأ بيننا، رابطًا أعمق من مجرد صداقة سطحية، رابطًا يصنعه الصدق وحده.

لقد أدركتُ حينها أن الصداقة الحقيقية لا تُبنى على الضحك والحديث العابر، بل على المشاركة في ما يؤلمنا، وعلى القدرة على احتواء الآخر حتى في أقسى لحظاته. وأدركت أيضًا أن الجرح حين يُحكى يخفّ، وأن الحزن حين يُشارك يتفتت بعضه، وأن الروح حين تجد من يصغي بصدق، تشفى ولو قليلًا.

أنا ممتنّة بعمق لتلك اللحظة، ولوجودك تحديدًا فيها. ممتنة لأنك جعلتني أرى أنني لست وحدي في مواجهة أثقالي، وممتنة أكثر لأنك سمحت لي أن أكون جزءًا من رحلتك، أن أسمعك وأحتويك. لقد ترك هذا الحديث أثرًا في داخلي لن يُمحى، أثرًا يخبرني أن البداية الحقيقية لأي علاقة إنسانية نادرة تبدأ من هنا… من الصدق، ومن راحة الروح، ومن القدرة على أن نرى بعضنا كما نحن، بضعفنا وقوتنا معًا.”