مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ركام الطفولة بقلم مريم جمال

ركام الطفوله
كتبت”مريم جمال

لا أدري كيف انزلق مني كل هذا الجمال دون أن أنتبه.. كالرمال بين الأصابع، أو كالندى على زجاج النافذة عند بزوغ أول شعاع للشمس.
كانت طفولتي كريحانة في صحن فخّاري بسيط، أخضر القلب، ناعم الملمس، يفوح منه عبق الأرض الطيبة والسماء
القريبة.لكن الريحان يا صديقي لا يعيش تحت الأحجاؤ
إنتهت طفولتي تحت ركام الحياة.. فتكسّر الإناء، وتبدّدت التربة، وذبلت الريحانة ببطء، كل ورقة منها كانت تحمل سراً من أسرار العالم الذي كنت أعرفه.
الآن، بين هذه الأنقاض، أبحث عن بقايا ذلك الإناء الفخاري، وأجمع حبات التربة المتناثرة. ربما فقط ربما أجد بذرة واحده صامتة، يمكن أن تنبت من جديد في قلبي المتشقق.
لأن الروح رغم كل شيء تميل نحو النور، حتى ولو كان شعاعاً رفيعاً يتسلل من بين ثقوب السقف المهدم.
ها أنا ذا أقف على أنقاض أيامي.. كل حجر منها يحمل ضحكة ضاعت، وكل غبار يذكّرني ببراءة طفت كالحلم.
كنت أظن أن الحياة حقل زهور، فأصبحت أحمل مجرفتي لأزيح الركام عن بقايا نفسي. كم مرة انحنت ظهري تحت ثقل الأحجار، وكم مرة علقت أنفاسي بين شقوق الصخور الباردة.
إنتهت طفولتي تحت ركام الحياة.. دفنتها الصعاب طبقة فوق طبقة، حتى لم أعد أرى ذلك الطفل الذي كنته إلا كذكرى بعيدة، كوشم باهت على جلد الزمن.
صار صوتي أكثر خشونة، وملامحي أكثر صلابة، لكن قلبي ما زال يبحث بين الأنقاض عن تلك الطفلة التي تركتها هناك.. ربما تحت حجر ما، أو في زاوية منسية.
لكن الحياة تمضي، والعمر يحملني على ظهره، وأنا أحاول أن أبني من هذه الأحجار بيتاً جديداً.. ربما ليس للبراءة، لكن للصمود مكان.