دهشة القلب
الكاتب : هاني الميهى
ليس في الأمر لغز، ولا نزوة عابرة كما يظن البعض.
فالرجل حين يبلغ الأربعين، لا يبحث عن الجمال فحسب، بل عن الدهشة التي فقدها في زحام العمر.
ذلك العمر الذي يُثقِل الروح بتجاربها، ويجعل قلبه متعبًا من الحذر، مشبعًا بما كان، خاليًا ممّا يُعيد إليه بريق البدايات.
في العشرينات، يرى المرأة كعطرٍ جديدٍ على ذاكرته القديمة، تحمل نضارة البدايات، ودفءَ الحلم الأول، وصفاء القلب الذي لم تُفسده الحسابات.
يراها كما يرى العابرُ نسمةً باردةً في منتصف صيفٍ قاسٍ.
لا لأنها أصغر سنًا، بل لأنها أنقى شعورًا، وأكثر صدقًا في التعبير عمّا تحبّ وتريد.
المرأة في العشرين لا تُحب بمنطق، تُحب ببساطةٍ تُربكه، وتصدّقه دون أن تُطالبه بإثبات.
وهذا ما يفتقده الرجل في الأربعين، بعدما صار كلّ ما حوله مشروطًا ومحسوبًا ومقاسًا بالعقل والنتائج.
تأتي هي، فتُعيد إليه دهشة السؤال الأول:
هل يمكن للقلب أن يبدأ من جديد؟
إنها لا تُكمّله، بل تُذكّره بما كانه قبل أن يُنهكه النضج.
تجعله يرى نفسه كما كان يحبّ أن يكون: صادقًا، مندفعًا، بريئًا من التكلّف.
ولهذا، ينجذب إليها كما ينجذب العطشان إلى أول قطرة ماء،
لا لأنّها الأصغر، بل لأنّها تُعيده إلى ذاته التي ضاعت منه في الطريق.
غير أن هذا النوع من الحبّ، مهما بدا نقيًّا، يبقى هشًّا إن لم يُبنَ على وعيٍ متبادل.
فهي ترى فيه الأمان، وهو يرى فيها الحياة.
لكنّ الفارق بين “من يبحث عن البداية” و”من لم يعرف النهاية بعد” قد يكون أحيانًا المسافة التي لا تُجتاز.
ورغم ذلك، يظلّ هذا الحبّ جميلًا في جوهره،
لأنه يُعلّم الطرفين أن العمر لا يُقاس بالسنين، بل بالقدرة على الدهشة.
وأن القلب، مهما تقدّم به الزمن، سيظلّ طفلًا صغيرًا ينتظر أن يُحَبّ بلا سبب.






المزيد
بين الكتمان والطمأنينة بقلم ابن الصعيد الهواري
بين الخوف والتعوّد… يولد الاتزان بقلم ابن الصعيد الهواري
حين تتكئ النفس على نفسها… وتكتشف وجوه الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري