دفء الخيال بقلم أمجد حسن الحاج
في زاوية الغرفة الباردة، يجلس الفنان وحيدًا أمام لوحته التي صارت موقدًا من الخيال، يشعل فيها دفء الروح حين انطفأت المدافئ الواقعية، ويرسم بفرشاته نارًا لا تحرق الجسد، بل تذيب صقيع القلب وتبعث الحياة في الفراغ. كل ضربة لونية على القماش كانت رجفة حلمٍ، وكل لمسة ضوءٍ كانت نداءً خفيًّا من شغفٍ يرفض الموت. لقد صار الفن عنده وطنًا دافئًا حين هجرت الأوطان دفء أهلها، وصار اللهب المصنوع من الألوان وسيلته الوحيدة لمقاومة البرد الذي يتسلل من الجدران ومن أعماق الزمن.
هو لا يرى في اللوحة صورة، بل حياةً بديلة، ودفئًا متخيّلًا يفوق صدق الواقع، يتأملها كمن يؤمن بمعجزته الخاصة، فيمد كفيه إليها مطمئنًا، كأنه يلمس الحقيقة بين ظلال الخداع الجميل. في تلك اللحظة، يتلاشى الفاصل بين الوهم والحقيقة، بين النار المرسومة والنار التي تسكن القلب، بين البرد المادي والدفء الروحي، ويصبح الفنان هو الصورة، واللوحة هي المرآة التي تعكس صدق الجوع إلى الأمل.
كم من إنسانٍ جلس أمام حلمه كما يجلس هذا العجوز أمام ناره المرسومة، ينتظر من خياله ما عجز عنه واقعه، يؤمن أن الإبداع وحده قادر على منحنا حياة أخرى حين تُغلق الأبواب، وأن ما يُرسم بالإيمان أدفأ من كل نارٍ تُشعلها اليد.
هكذا يظل الفنان بين سكون الغرفة ولهيب الفكرة، يدفئ قلبه بما لا يُرى، ويعيش حرارة ما لا يُلمس، ينسج من فراغ الألوان مأوىً للروح، ويُثبت للعالم أن البرد لا يُقهر بالنار، بل بالخيال.






المزيد
هل سأكون سعيدة ! بقلم سها مراد
أمل بين الجراح الكاتب فلاح كريم العراقي
المنتصف المميت بقلم بلال حسان الحمداني