كتبت الشيماء أحمد عبد اللاه
كثيرًا ما يُثار غبارُ الشبهات حول سيرة النبيّ محمد صلّ الله عليه وسلم، ومنها مسألة تعدد زوجاته، ويظن البعض – جهلًا أو تعمدًا – أن في هذا الأمر طعنًا في طهارة رسالته أو نزاهة شخصه الكريم، لكنّ الناظر بعين البصيرة لا بعين الهوى، يدرك أن هذه الزيجات لم تكن رغبةً شخصية، بل كانت رسائل تشريعية وإنسانية، رسمت معالم الرحمة، والعدل، وحكمة القيادة النبوية التي اختُص بها نبيه.
وانظر بعين البصيرة فيما يلي:
أولًا: زواجٌ بوحي، لا بهوى:
لقد عاش النبيّ صل الله عليه وسلم مع السيدة خديجة رضي الله عنها وحدها طيلة خمسة وعشرين عامًا، في حياة زوجية ملؤها الوفاء والسكينة، ولم يتزوج بأخرى إلا بعد وفاتها، وكان حينها قد جاوز الخمسين، فهل هذا حال من يتتبع الشهوات؟ إنما كان زواجه بعد ذلك لأسباب عظيمة، كإكرام أرامل الشهداء، وتوثيق الروابط القبلية، ونقل السنن النبوية من داخل البيت، عبر زوجاته العالمات الطاهرات.
ثانيًا: نساء في بيت النبوة، مدرسة للأمة:
كانت بيوت النبي صل الله عليه وسلم منارات علم وتربية، ولم تكن مكانًا للترف أو اللهو، كما يتوهم المغرضون، فالسيدة عائشة مثلًا، كانت من أكثر رواة الحديث، وعُرفت بذكائها وسعة علمها، وكل زوجة من زوجاته كانت تمثل نموذجًا لفئة من المجتمع، فنُقلت عنهن أدق تفاصيل الحياة النبوية، مما حفظ لنا السُنة بشمولها، وفتح آفاق الفهم العميق للإسلام.
ثالثًا: الرحمة والوفاء:
ومن الإنصاف أن نعلم أن كثيرًا من زيجات النبي كانت برحمة ووفاء، كما في زواجه من سودة بعد وفاة زوجها، ومن أم سلمة التي كانت أماً لأيتام، لم يكن الأمر ترفًا، بل احتضانًا إنسانيًا لنساء في زمن القسوة، ورفقًا بقلوب مكلومة، وهذا جزء من رحمته التي وسعت الخلق كلهم.
رابعًا: كل زواج، حكمة من السماء:
ما من زوجة في حياة النبي إلا وكانت تحمل وراءها رسالة، ودورًا، وغاية، كصفية بنت حيي كانت من بيت يهودي، فبزواجه منها أطفأ نار الحقد، وعلّمنا كيف نطوي العداء بالحسنى، وزينب بنت جحش كان زواجه منها بأمرٍ إلهيٍّ لتقرير حكمٍ شرعيّ، إن كل قصة من قصص الزواج كانت بابًا لفهمٍ جديد، وتأكيدًا أن النبي لم يكن يعيش لنفسه، بل كان يعيش لله وحده.
وختامًا: السيرة أطهر من أن تُدنس بالشبهات:
إن من يقرأ السيرة النبوية بتجرد، يدرك أن تعدد الزوجات كان جزءًا من عبء الرسالة، لا من متاع الدنيا، لقد عاش النبيّ زاهدًا، مات ودرعه مرهونة، ولم يكن من أهل الغنى ولا الترف، فكيف يُتَّهَم من هذا حاله باتباع الهوى؟! لقد كانت زيجاته تجسيدًا لحكمة السماء، وامتدادًا لرحمةٍ ختم الله بها الرسالات.






المزيد
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي
لو كان بيدي بقلم مريم الرفاعي
عجز بقلم إسراء حسن