كتبت منال ربيعي
كان يراقبها وهي نائمة، تحتضن يديه كأنها لم تصدق بعد أنه حقيقي، كأنها تخشى أن يتبخر بين أنفاسها إذا ما أفلتت أصابعها من يديه. تمسكه بقوة حتى وهي في أعمق لحظات غفوتها، وكأنها تخاف أن تستيقظ لتجد كل هذا الحلم قد تلاشى. أما هو، فكان يستمتع بحصارها الناعم، لكنه يمتلك حيلته الخاصة ليتحرر دون أن يبتعد، ليظل قريبًا، ملتصقًا، حاضرًا حيث يسكن عطشها.
بأطراف أصابعه، تسلل إليها كما يتسلل ضوء الفجر عبر ستائر الليل، لامسها بخفة كأنها وتر عتيق يعرف أين يوقظ نغماته النائمة. مسّ حلمتها برفق، فارتعشت كوتر مشدود، وتردد في الغرفة أنين خافت، موسيقى حالمة تتسرب من بين شفتيها. كانت تشبه مقطوعة لشوبان، هادئة أولًا، ثم تتصاعد أنغامها رويدًا رويدًا، تصير موجة من الألحان المتشابكة، ألحان لم تعزف من قبل إلا بين أنامله.
في لحظة، تحولت الفتاة الناعمة إلى أنثى ثائرة، كأن نيرانها استيقظت من سباتها. قبضت على يده بقوة، قيدته بحمم رغبتها، وكأنها لا تريد أن تتركه يفر من تيهها الذي خلقه بنفسه. لم تكن تريد شيئًا سوى أن يذوب فيها كما تذوب الألحان في أوتارها. امتدّت أصابعه، عزفت على جسدها سيمفونية من اللمسات، وكل نغمة فيها تخرج من بين أنفاسها كأنها صرخة شوق، كأنها رجاءٌ بأن يعيد العزف بلا توقف.
قبلاته كانت معزوفة أخرى، شفاهه تجوب تضاريسها كما يجوب عازف ماهر مفاتيح البيانو في ليلة حافلة بالعاطفة. قمة ثديها كانت جبله المقدس، يصعده بشغفٍ لا يفتر، يصل القمة ثم يعيد الرحلة ألف مرة، يزرع رايته هناك، يعلن انتصاره، لكنه لا يكتفي. كانت طقوسه تتكرر، لكنه كل مرة يجد فيها شيئًا جديدًا، كأنه يعيد اكتشافها من أول لمسة، من أول رعشة، من أول شهقة مكتومة بين شفتيها.
أحاطها كعاصفة لا تترك مجالًا للهرب، اقتحم مساحات روحها قبل أن يغوص في أعماقها، قرأ صلواتها الصامتة في أنفاسها المتقطعة، وأجابها بلغته الخاصة، لغة لا تفهمها سوى امرأة تسكن العشق وتتنفسه. كانت تقلباتهما أشبه برقصة مجنونة على نوتات نارية، كل حركة فيها تصنع نغمة، كل لمسة تصنع لحنًا جديدًا، وكل تنهيدة تكمل المقطوعة التي لا تنتهي.
غرق في أنوثتها ثلاثين ليلة، ولم يجد طريقًا للخروج، ولم يكن يريد أن يجد. كان يتوه بين ضلوعها ويعود ليلف ذراعيه حولها، كأنها وطنه الأخير، كأنها الحقيقة الوحيدة التي تثبت أنه لا يزال حيًا. كانت أنثى لا تشبه غيرها، كانت مقطوعة نادرة لم يعزفها غيره، وكانت خلقًا آخر، يصنعه بأصابعه في كل مرة، يولد من بين أنفاسها، ويزهر فوق جسدها.
وكانت كل ليلة… ليلة أولى.






المزيد
من وجع التجربة إلى نضج الفهم بقلم ابن الصعيد الهواري من وجع التجربة إلى نضج الفهم
كلام القهاوي لا يغيّر قلوب النبلاءبقلم ابن الصعيد الهواري
ليتني أستطيع بقلم سها مراد