مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصير الغدر عذراً بقلم فتحي عبدالحميد

حين يصير الغدر عذراً
بقلم / فتحي عبدالحميد

كانت تخشى الخذلان،
لا لأنه غريب عنها،
بل لأنه يسكن الوجوه التي نألفها،
ويخرج من الأصابع التي تربت على القلب،
لا لتدله على النجاة،
بل على موضع الطعنة.

كانت تحذر من الرحيل،
لا بلسانها،
بل بتلك الإشارات الخفية
التي تمر كالنذر ولا تُفهم.
تخاف من الفقد قبل أن يقع،
من الهجر قبل أن ينطق،
من التوهان قبل أن تتبدل الجهات،
وكأنها ترى نفسها في مرآة الغد،
فتنكر الصورة،
فتكسر المرآة
بدل أن تواجهها.

ولم أكن أعلم أنها،
كانت تخشى من نفسها،
من قدرتها على الرحيل حين تضيق،
ومن براعتها في اختراع الأسباب.
لكن الخوف حين لا يُقال
يتحول إلى عادة،
والتحذير حين لا يُفهم
ينقلب خطة.

كيف يحدث هذا؟
وكيف تصير العهود
مخارج طوارئ؟
أمن هذه تولد الخديعة،
أم أن الخديعة كانت كامنة
تنتظر ظرفا يصلح للاستخدام؟

قالت إنها خائفة
من الفقد،
من الهجر،
من الضياع.
ثم صارت هي الفقد حين حضر،
والهجر حين اشتد،
والضياع حين نادته باسمه.
بادرت بالبيع،
وكأن الوفاء
حمل لا يصلح للسفر الطويل.
وارتدت قناع البراءة
لتخفي به مهارة الغدر،
لا ارتباكه.

تعددت الأسباب
وتكاثرت الظروف،
لكن متى لم تكن الظروف
حجة جاهزة لمن يريد الانسحاب؟
ومتى احتاج الذاهب
إلى أكثر من سبب واحد؟
إنه قرر أن يذهب.
أوليس من يريد يستطيع؟
فلماذا كل هذا الادعاء،
وكل هذا الضجيج
حول خيانة
اتخذت قرارها في القلب؟

وها قد جاء الخذلان
من الموضع الذي كانت تشير إليه بارتعاش،
وجاء الغدر
من الفم الذي أتقن لغة الطمأنينة.

حتى إن القلب
لم يصدق ما سمع ولا ما رأى،
فكأن الصدمة
لجمت لسانه،
وجعلته عاجزا عن الرد
على حجج بليدة،
وأسباب معلنة،
وظروف شنيعة
لا تقنع إلا صاحبها.

أما هي فمضت،
لا لأنها لم تحتمل،
بل لأنها اختارت ألا تفي.

غدرت،
لا زلة ولا غفلة،
بل قرارا مرتبا
سبقته أعذار
وتبعته قسوة صامتة.

خلعت عن الوفاء وعظه
كما يُخلع عبء ثقيل،

وخانت العهد
وهي تعرف معناه جيدا.

وتركت خلفها قلبا
لم يكن ساذجا،
بل صادقا حد الخطر،
ممتلئا بالوفاء
كأنه خُلق ليبقى
لا ليُستبدل.

قلبا لم يعرف البيع
ولا أتقن الهروب،
ظل واقفا في موضعه
ينتظر تفسيرا
لم يأت،
واكتفى أن يكون وفيا
حتى بعد أن طُعن،
وترك ينزف…