مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصمت الليل

Img 20250513 Wa0193

 

بقلم: سارة عماد.

الغفران… ما أثقل هذه الكلمة حين تكون على طرف القلب، وما أشد وطأتها حين تُطلب من روحٍ أنهكها الانكسار، في لحظة ما كنت أظنه نهاية الألم، وشفاءً لكل الجراح، فإذا به سرابٌ يشبه الراحة، لكنه لا يُشبع ظمأ الداخل، ولا يردّ عن النفس سيوف الندم.

تعلمتُ متأخرًا أن الغفران ليس ضعفًا، وليس نسيانًا، بل هو محاولة للصمود على حافة الهاوية دون أن تسقط، تتأمل في الذين أساؤوا إليك، في الوجوه التي غابت، والكلمات التي أحرقت، والظهور التي تولّت، تقول إنك سامحت، لكن كلما أَفَلَ المساء وهدأ الضجيج، تسمع نبضك يخفق بالوجع ذاته، وكأن الغفران مكبول في صدرك، لا يُطلق، لا يُقال، ولا يُكتمل.

وهناك، في زاوية القلب المعتمة، تهطل عليك الذاكرة كوابلة من مطرٍ بارد، تقلب اللحظات، وتبعثرها كما لو كانت زجاجًا انكسر ولم يجمعه أحد، تبحث في نفسك عن نور، دفء، عن يدٍ تربت على كتفك، تخبرك أن النجاة لا تكون أحيانًا إلا بالصفح؛ لكن كيف تغفر ولا زلتَ تنزف؟

كيف تعفو وعينك لا تنام من سهر السؤال؟

الغفران ليس للآخرين فقط، بل لك، أنت؛ فلِما خذلت نفسك، لما سكتّ حين كان عليك أن تصرخ، لما مشيت خلف من ساقوك نحو الحافة، ظنًا أن الطريق سيُفضي إلى ضوء، فإذا به يعبر بك إلى العتمة.

وهنا، في السكون، تبدأ الحقيقة، وتبدأ محاولتك الأولى لأن تُسامح قلبك.