مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين وقفتُ أمام المرايا الكثيرة ولم أجد وجهي بينها، كأنني ضعت بين نسخٍ باهتة من نفسي بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر 

حين وقفتُ أمام المرايا الكثيرة ولم أجد وجهي بينها، كأنني ضعت بين نسخٍ باهتة من نفسي

 

بقلم : هاجر أحمد عبد المقتدر 

 

وقفت الطفلة في منتصف الغرفة، تحيط بها المرايا من كل جانب، كأنها محكمة صامتة تنظر إليها دون أن تنطق. لم تكن المرايا تعكس صورتها كما ينبغي؛ بعضها كان ضبابياً، وبعضها يعرض وجهاً مختلفاً، وآخر يخفي الملامح خلف خدوشٍ باردة تشبه الندوب القديمة.

حدقت في أقرب مرآة إليها، تلك الطويلة التي تقف مثل بابٍ قديم، فتراءى لها ظلٌ يشبهها… لكنه لم يكن هي تماماً. كان وجهٌ يحمل شيئاً من الحزن الذي لم تعشه بعد، وعينان تعرفان أشياء لم تتعلمها بعد.

تساءلت بصمت:

كم نسخةً من الإنسان يمكن أن يعيشها داخله؟

وكم مرةً يمكن أن يضيع وجهه الحقيقي بين الانعكاسات؟

المرايا حولها لم تكن مجرد زجاج؛ كانت أشبه بذكريات لم تحدث بعد، أو مخاوف خفية كبرت قبل أوانها. كل مرآة كانت تحكي احتمالاً مختلفاً لحياةٍ لم تبدأ بعد.

أما هي…

فوقفت صغيرة وسط هذا الصمت الكبير، بثوبها الأحمر الذي بدا كجمرةٍ وحيدة في غرفةٍ باردة، تحاول أن تتذكر فقط: أيّ هذه الوجوه هو وجهها الحقيقي.

لكن المرايا لم تجب.

المرايا لا تعطي الحقيقة…

بل تعيد للإنسان شكوكه مضاعفة.