مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تصمت الحروف تنصت الأرواح – الكاتب هاني الميهى

حين تصمت الحروف تنصت الأرواح

الكاتب: هانى الميهى

قرأتُ كلماتكِ الأخيرة وكأنها أنفاسُ من أنهكها الركض في ممرّات الصبر. شعرتُ أن بين كلّ سطرٍ وآخر تنهيدةً ثقيلة تبحث عن مرفأ. لكن يا صديقة الحرف، الحروف لا تخون من صدقها يومًا، هي فقط تتعب كما نتعب نحن، وتحتاج أن تستريح كي تعود إليكِ أنقى.
تقولين إن الكتابة لم تعد ملاذًا، وإنها صارت مرآةً لوجعك. لكن ألا تعلمين أن المرآة لا تُؤذي وجهها الذي تنعكس عليه، بل تكشفه فقط؟ الحروف لم تُجرحك، إنما كشفت لكِ الجرح الذي حاولتِ طمره طويلاً. وما هذا الصمت الذي اخترتِه إلا ضمادًا مؤقتًا، تستعيدين به أنفاسك حتى يتسع قلبك من جديد.
أدركُ أن غياب مَن كان سبب النصوص جعل الورق بلا معنى. لكن دعيني أقول لكِ: إنّ النصوص التي ولدت منكِ كانت أوسع من شخصٍ واحد، كانت حياةً كاملة، أرواحًا التقطت منها عزاءً دون أن تعرفي. كم من قارئٍ شعر أنكِ تكتبين عنه وهو لا يعرفكِ؟ كم من روحٍ وجدت في سطوركِ ظلّها فتماسكت؟
الكتابة يا صغيرتى ليست رجلاً رحل، ولا وجهًا غاب، ولا حضورًا انطفأ. الكتابة روحكِ أنتِ، والروح لا تُدفن. هي قد تصمت قليلًا، وقد تتعب كثيرًا، لكنها دومًا تترك بصمةً خفيةً على الزمن، حتى لو لم تمسكي القلم بيديكِ.
كتبتِ: «اخترتُ الصمت». وأنا أقول: أحيانًا الصمت ليس نهاية، بل هو بداية أخرى للحرف حين ينضج، بداية فصلٍ أعمق مما سبق، كالأرض التي تتركها البذور في الشتاء ساكنة، بينما في باطنها تنبض الحياة وتتهيأ لربيعٍ جديد.
فلتصمتي إن شئتِ، لكن لا تودّعي الحروف.
الحروف يا صديقة، لا تُودَّع، بل تُخبّأ في القلب حتى يحين موعدها. ستعودين إليها ذات يومٍ دون أن تدري، ليس لأن أحدًا ينتظر نصوصكِ، بل لأن الكتابة هي أنتِ، وحين يشتاق الإنسان إلى نفسه، يعود إلى لغته الأولى: الحرف.