مقال: د محمود لطفي
اسمها (نرجس) بالقرب من النهر ،وفي غروب شمس أحد أيام أبريل رأيتها عن قرب تلك التي لم تكتف بجمال ،وانوثة منحها الله له دون حول منها ولا قوة، بل كانت تتلاعب بقلوب الرجال ،وترى أن الأرض بأسرها لا يوجد بين رجالها ذلك المحظوظ الذي يستحق نيل شرف أن يكون زوجا لها، رأيتها انذاك ورأيت كم هي تتباهى وتتفاخر بجمالها ليس فقط في وجود آخرين بل أيضا حين تختلي بنفسها في لحظات تظن فيها مخطئة بإنها بعيدة عن الأنظار وعلى الفور تذكرت أسطورة (نرسيس او نركسوس) اليونانية التي ينسب لها المرض النفسي الشهير والمعروف باسم (النرجسية)او ما يعرف (بالإفتنان بالنفس)
وعن الجذور التاريخية الأسطورية للنرجسية فهي تنحدر من حكاية الشاب (نرسيس) الصياد الجميل لدرجة افتتان الجميع به مما أصابه بالغرور والتكبر على من حوله ،ورغم كونه من نسل الألهة قررت
(نمسيس) معاقبته بعد رصدها لغروره وتكبره وغطرسته بأن جعلته يفتتن حباً بنفسه ،ويعيش أسير حب إنعكاس صورته على صفحة الماء ووصل به الغرام بنفسه ووقوعه اسيراََ لذاته بأن ظل متابعا لصورته ومحدقاً فيها لا يفارقها إلى أن وافته المنية وحيداً.
وعلمياً فقد ربط (سيجموند فرويد)
بين تلك الأسطورة وبين التحليل النفسي للأشخاص الذين يعجبون بأنفسهم لدرجة الإنسلاخ من المجتمع ،ونسيان حبهم للآخرين او حب الآخرين لهم مما يسبب لهم نهاية تتشابه مع أسطورة نرسيس في عقدة يطلق عليها النرجسية نسبة لنرسيس.
ومن الأعمال الفنية الشهيرة التي عبرت وخلدت أسطورة نركسيس اللوحة الشهيرة للفنان الإيطالي (كارافاجيو) وبها يظهر شاب وسيم يتابع انعكاس صورته في سطح الماء بكل إعجاب للنفس كما تنص الأسطورة الشهيرة لنرسيس.
وللعجب أن معظم المصادر تشير بأن اضطراب الشخصية النرجسية يصيب الذكور أكثر من الإناث وقد نجد الكثير من مشاهير الإبداع والفنون من المصابين بإضطراب الشخصية النرجسية وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الرسام الشهير بيكاسو قد كان من أشهر الشخصيات الإبداعية المصابة بإضطراب الشخصية النرجسية وقد تسبب ذلك في الكثير من المعاناة لعائلته.
ولم يختلف الأمر تاريخياً بين بيكاسو وغيره فهناك من الأمثلة لتي لا تقل عن بيكاسو في النرجسية نذكر منها (هتلر وستالين)
وقد يضيف البعض للقائمة (تاتشر ومادونا) وغيرهم وكأن هناك ارتباطا وثيقاَ بين الإبداع او كون الشخصية في موضع قيادي وبين الإصابة بإضطراب الشخصية النرجسية.
وأخيرا وليس بآخر فلقد نهى الإسلام عن الكبر الذي يعد نتاج طبيعي لإضطراب الشخصية النرجسية ويكفي النظر لقوله تعالى
(من اي شيء خلقه* من نطفة خلقه فقدره)
في دلالة من الله عز وجل على ضرورة غلق أبواب التكبر في وجه عباده ومن ثم النرجسية لذا ورغم سهولة اصابتنا كبشر بالغرور او ما يتطور ليصبح إضطراب الشخصية النرجسية فيكفي تذكر ما سنصبح عليه بعد أيام قليلة من نهايتنا ليكون في ذلك عظة وعبرة لمن يتعظ ويعتبر فربما كان ما كتبت ليس بتذكرة للغير ولكن لنفسي التي قد يغلبها الهوى گكل البشر.






المزيد
بين الخبرة والتجديد.. لماذا أصبح ضخّ دماء جديدة في الاتحاد ضرورة؟
أنا لستُ ما حدث لي: كيف تبنين ذاتكِ بعد الصدمات؟
الترند الإيجابي… حين يصبح الانتشار في خدمة الإنجاز