حوار: ولاء خلف
في حوار مختلف الملامح، نبدأ اليوم رحلة إنسانية من البداية الموجعة الملهمة إلى الرسالة السامية؛ في استضافتي الأستاذة «آمنة سعد» والتي عبّرت عن رحلتها بقولها:
«أنا آمنة سعد، معلمة وكاتبة آمنتُ منذ البداية أن التجارب التي نعبرها لا ينبغي أن تمر بنا عبثًا، فحولتُ جانبًا منها إلى كلمات وأعمال حملت شيئًا مني: (مأزق)، (حنظل)، و(أيكفيك)، وأستعد لعملي الرابع (471). بين التعليم والعمل والكتابة كنتُ دائمًا أبحث عن أثر يتجاوزني، ومنذ سبع سنوات أخوض معركتي مع المرض، لا بوصف نفسي ضحية له، بل جندية تعلمت أن تجعل من الابتلاء قوة، ومن الألم معنى، ومن الاستمرار انتصارًا.. أنا زوجة وأم قبل كل شيء، وكاتبة تؤمن أن أجمل ما نتركه خلفنا ليس ما نملكه، بل الأثر الذي نتركه في قلب أحدهم».
وهي التي اتخذت من اسمها عنوانًا لرحلتها، عندما آمنت «آمنة» بنفسها.
هل بدأتِ رحلتك في مجال التعليم حبًّا فيه وشغفًا به، أم جاءت البداية بحكم الظروف والقدر؟ وكيف انتقلتِ من التدريس إلى الإدارة؟
دخلت مجال التعليم في البداية بدافع التلهي والابتعاد عن التفكير بالمرض، ثم مع الوقت اكتشفت أنني أستطيع أن أميز نفسي فيه، فقررت دراسة إدارة المدارس والمعاهد، وكان هدفي أن أمتلك مراكز تعليمية خاصة وأديرها.
أبرز الصعوبات تكون في تنظيم العمل واختيار المعلمين ومراعاة اختلاف مستويات الطلاب ومحاولة تقديم تعليم جيد ضمن الإمكانيات الموجودة.
من وجهة نظرك، أيّ المرحلتين: الابتدائية أم الإعدادية، تمثل تحديًا أكبر للمعلم والطالب؟ ولماذا؟
أرى أن الإعدادية أصعب؛ لأنها مرحلة انتقالية، والطالب فيها يتغير فكريًّا وسلوكيًّا ويحتاج إلى تعامل مختلف عن الطفل في المرحلة الابتدائية.
ما أكثر المشكلات التي تلمسينها لدى الطلاب خلال المرحلتين الابتدائية والإعدادية، سواء من الناحية التعليمية أو السلوكية؟
أكثر ما ألاحظه ضعف التركيز والفروقات الكبيرة بين الطلاب، وأحيانًا بعض المشكلات السلوكية التي يكون خلفها أسباب أسرية أو نفسية، وليس ضعفًا دراسيًّا فقط.
هل ترين أننا بحاجة إلى تخفيف المناهج الدراسية، خاصةً مع كثافة المقررات ومتطلبات العصر؟ أم أن المشكلة تكمن في طريقة تقديم المناهج أكثر من حجمها؟
أنا مع تخفيف المناهج إذا كانت فوق قدرة الطالب، لكن أرى أن المشكلة أحيانًا في طريقة تقديمها أكثر من حجمها، فالطالب يحتاج أن يفهم لا أن يحفظ فقط.
في ظل التغييرات المستمرة في أنظمة وأساليب التعليم، هل ترين أن تطوير النظام التعليمي الحالي يحقق فائدة حقيقية للطلاب؟ وما الذي يحتاج إلى مزيد من التطوير؟
التطوير مطلوب، لكن ليس كل تغيير يعني تطورًا، ونحتاج إلى تطوير طريقة التعليم وتدريب المعلم والاهتمام بفهم الطالب أكثر من كثرة التغيير في الأنظمة.
هل ترين أن التعليم الخاص هدفه الأساسي تحقيق الربح، أم أنه يمكن أن يقدم نموذجًا أكثر فاعلية في نجاح المنظومة التعليمية؟ وأين تكمن الفروق الحقيقية بين التعليم الخاص والحكومي من وجهة نظرك؟
التعليم الخاص يمكن أن يكون ناجحًا ومربحًا، لكن بالنسبة لي لم يكن المال يومًا هو الدافع الأساسي، وأهم شيء عندي أن يتعلم الطالب ويخرج بنتيجة حقيقية.
ماذا عن معاناة المعلمين داخل المؤسسات التعليمية الخاصة؟ كيف ترين أبرز المشكلات التي يواجهونها، وما الحلول التي تضمن لهم حقوقهم واستقرارهم المهني؟
المعلم يحتاج إلى احترام واستقرار وتقدير لجهده، وأعتقد أن وضوح الحقوق والواجبات والابتعاد عن الضغط غير الضروري من أهم الحلول.
بصفتك مديرة مدرسة، كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات الإدارة واحتياجات المعلمين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مصلحة الطالب وجودة العملية التعليمية؟
أحاول دائمًا أن أوازن بين الطرفين؛ لأن المعلم يحتاج إلى راحة واحترام، والطالب يحتاج إلى تعليم جيد، والإدارة دورها أن تحقق هذا التوازن بعدل.
هل التعليم يعاني من أولياء الأمور، أم أن أولياء الأمور هم من يعانون من التعليم؟
أعتقد أن التعليم يعاني من الجميع أحيانًا، من المدرسة وأحيانًا من ولي الأمر وأحيانًا من النظام نفسه، والمهم ألا نبحث دائمًا عن طرف نلومه.
بحسب ما نسمع ونرى، يبدو أن كل طرف يشكو من الآخر؛ فولي الأمر يرى أن المدرسة لا تقدم ما يكفي، والمدرسة ترى أن بعض أولياء الأمور يتدخلون في عملها. من وجهة نظرك، أين تكمن المشكلة؟ وكيف يمكن بناء علاقة صحية بين الأسرة والمدرسة؟
المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة إلى اتهامات، الأفضل أن تكون الأسرة والمدرسة شركاء، وكل طرف يحترم دور الآخر ويتعاون لمصلحة الطالب.
هل يحصل الطالب والمعلم بالفعل على الفرصة التي يستحقها داخل المنظومة التعليمية؟ وما الذي يقف أحيانًا عائقًا أمام هذه الفرصة؟
ليس دائمًا، فالطالب والمعلم قد تقف أمامهما الإمكانيات أو الأنظمة أو الضغط، وكثيرًا ما يحتاجان فقط إلى مساحة أكبر حتى يقدما أفضل ما عندهما.
من وجهة نظرك، ما الذي يمكن أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا في منظومة التعليم، ويقود إلى نهضة تعليمية تتجاوز مجرد تغيير المناهج والأنظمة؟
التغيير الحقيقي يبدأ من الاهتمام بالمعلم والطالب معًا، ومن تغيير نظرتنا للتعليم، وليس فقط تغيير المناهج.
كيف يمكن أن نبني جيلًا متعلمًا بحق، يمتلك الفهم والوعي والقدرة على التفكير، وليس مجرد طالب يسعى للحصول على شهادة؟
نحتاج أن نعلم الطالب كيف يفكر ويفهم ويسأل، وليس فقط كيف يحفظ؛ لأن الشهادة وحدها لا تصنع إنسانًا متعلمًا.
في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى كل طالب، وكل معلم، وكل ولي أمر، وكل مسؤول عن التعليم؟
رسالتي للطالب أن يؤمن بنفسه، وللمعلم أن يعرف قيمة أثره، ولولي الأمر أن يكون شريكًا لا خصمًا، وللمسؤول أن يتذكر أن التعليم بناء للإنسان قبل أن يكون بناءً للدرجات.
في ختام حوارنا مع الأستاذة آمنة سعد، ندرك أن بعض الحكايات لا تُروى لتُثير الشفقة، بل لتمنحنا القوة. بين المرض والتعليم والكتابة، اختارت آمنة أن تصنع من الألم معنى، ومن التجربة أثرًا، ومن الاستمرار انتصارًا.
كانت هذه رحلتها كما رأتها هي، وكان هذا حوارنا عبر إيفرست الأدبية؛ لأننا نؤمن أن خلف كل إنسان حكاية تستحق أن تُروى، وأثرًا يستحق أن يصل.






المزيد
حوار صحفي مع صاحبة القلم الذهبي حليمة عاطف
حوار صحفي مع الكاتبة المبدعة منة الله عمرو
حوار مع الإعلامي نور قطر