كتبت منال ربيعي
كانت تراقبه بشوق وألم. اشتعل الشيب في شعره، وترك لحيته تطوّق ملامحه. خسر الكثير من وزنه، لكنها ما زالت ترى فيه الرجل الذي أحبته. تركته يقود سيارته، وصعدت إلى منزلهما. كل شيء هناك يفوح برائحته. كعادته، كل شيء مهندم، يعشق النظام، لكنها كانت تعشق البعثرة، فوجد في فوضتها عشقًا من نوع آخر.
اقتربت من ثيابه، واستنشقت رائحته بشغف. ملأت رئتيها بالهواء الممزوج بعطره وأنفاسه. رائحته تغمر كل شيء. التقطت سترته، وضمتها إلى صدرها بشوق. قلبها يئن ألمًا وخوفًا من قدومه على حين غفلة، لكنها تيقنت أنه قد انصرف قبل صعودها.
اقتربت من الفراش، وتصدّع قلبها حين تذكرت تلك اللحظات الفارقة بين موتها وحياتها البرزخية. هي متعلقة بالحياة، لأن بداخلها قطعة منه، تنبض في أحشائها وتؤنسها. وضعت يدها على بطنها الذي ما زال ضامرًا، لم يتكور فيه الجنين بعد. شعرت بدوار، وتهالكت على الكرسي. جلست تلتقط أنفاسها، لتلمح شبحه يقترب.
لم تسمع خطواته كعادته، يسير كأنه لا يلمس الأرض بقدميه. طالما ارتعدت من هذه العادة خوفًا. اقترب منها، ونام على قدميها في سكون، كجندي أنهكته الحروب. بكى حتى بلل قدميها.
مسحت على رأسه بحنو، جعله يقترب ويتوسد صدرها. نطق من بين نحيبه:
“أرجوكِ، ابقي معي. لا ترحلي…”
لم تجبه. لم تملك القدرة على الرد. قلبها يخفق حبًا، وهي تصدق ندمه. همست بعفوية خالصة:
“أنا حمقاء وأحبك.”
نظر إليها غير مصدق. قبلته على شفتيه قبلة أعادت إليه روحه الممزقة. ضمته إلى صدرها حتى كادت تخنقه.
قال، وهو يختنق بدموعه:
“أنا أحمق ولا أستحق كل هذا الحب. أرجوكِ، اصفعيني، اصرخي عليّ، افعلي أي شيء.”
أحاطت وجهه بكفيها، وقالت بحنان:
“أنت كالأطفال يا حبيبي… نحبهم مهما أساؤوا إلينا.”
ضمها بقوة أعادت للدنيا معناها. عادت الشمس تشرق، والعصافير تغرد، وعاد قلبه ينبض بعد أن أسكته الحزن. همس:
“أنا أحبك. لا تتركيني.”
رددت بصوت خافت، وهي تضع يدها على بطنها:
“نحن نحبك… لن نتركك أبدًا.”
سألها، وهو يبتسم لأول مرة منذ زمن:
“هل تتذكرين ماذا كنا نسمي أول طفل لنا؟”
قالا في صوت واحد:
“نزار.”
همست بخفة:
“نعم. وإن كانت فتاة… ستكون غرام.”






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق