مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حكايات غزة؛ فتى ورضيع بلا حليب

Img 20241112 Wa0092

 

كتبت: هاجر حسن 

 

غزة، الصمود، القصص، العبرة، الألم والأمل. 

تتجدد المشاهد التي تثقل القلب بمرور الأيام، ولا تزال الأبواب مفتوحة على المعاناة، كأنها مواسم يبعد ختامها. هناك؛ في زوايا الدمار، حيث تنام الأحلام فوق ركام الحروب، التقت عيناي بمشهد نقش في ذاكرتي بحروف التعجب والألم. 

 

فتى يجلس على الأرض، ملامح وجهه تخبرك كم أثقلت الحياة كاهله، وعينيه تنطقان بابتسامة حزينة خافتة، كشمعة تذوب في صهد الحرارة. تخفي عوالم من الألم الساكن. 

 

حينما أدركت موضع نظراته، فهمت سر ابتسامته. كان يحاوط بيده رضيعًا صغيرًا يحتضنه كمصل ضامن لبقائه على قيد الحياة، وفي يده الأخرى وعاء قديم، يحمل قصصًا من التعب كأيامه، يقدمه برفق للطفل النائم على ركبتيه، كأنه يبث له حبًا لا يُقاوم.

 

همس له والهواء يعاند كلماته: “عذرًا، لا أملك رشفة حليب لك….كل الدكاكين خاوية.” كانت ملابسه كصفحات مهترئة من كتاب النضال، ممزقة كجدران بلاده الباكية، وحذائه المفقود كأنه دفع ثمن كل خطوة خطاها هروبًا من الرصاص المتساقط. 

 

تسمرت عيناي كأنني أمام لوحة تتحدى كل خيالي، صورة تجاوزت الواقع، أبعد مما شهدت في الأفلام والقصص، كأنها من رحم أسطورة . 

صبيان يمسكان بآخر خيطٍ للأمل، يجلسان محتميين بأرض بها رحمة دون البشر. 

 

أمام هذه المشاهد، يموت القلب، يتصدع، يئن قهرًا، ثم….. يتجدد شيء فيه. أنظر إليهما؛ طفلان وسط العدم، لكن ابتسامتهما لا تزال مضيئة في ليل حالك بلا قمر، وكأنهما، رغم كل شيء، يسافران بخيالهما إلى غزة القديمة، إلى حيث كانت الحياة تنبض بألوانها.

 

هكذا تمضي المشاهد، تترك جرحًا في الروح، لكنها تزرع أيضًا بذور صلابة، وتظل مطبوعة في الذاكرة رغمًا عنا. 

 

تساءلت: أسنُحاسب عليهم يا الله؟ أسيُسأل القلب عن صمته، عن عجزه أمام هذا الألم المتحدث؟ تفيض روحي بالدعاء، ثم …. صمتّ باكية. 

 

حكايات علمتنا أن غزة، رغم أنينها، ستظل حية ما دام فيها أملٌ ينبض بابتسامته أطفالها.