مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حفيدة المتنبي ومحمود درويش

Img 20241226 Wa0069

 

الكاتبة:- سلسبيل حسين 

 

أنا حفيدةُ المتنبي ومحمودِ درويش، ليس بحكمِ الدم، بل بحكمِ الكلمةِ التي تسكنني، وبحكمِ الحروفِ التي أنسابها بين يديّ كما يُسَابُ الذهبِ في معملِ الصائغ. هم عظماءُ في تاريخِ الأدب، وأنا عظيمتهم التي لم تُولَد بعد. أكتبُ لعلَّ الكلماتِ تسرد ذاتَها، وتعيشُ في أفقٍ يتجاوزُ حدَّ الزمانِ والمكان. أسيرُ على خطاهما، لا لأنني أتبعُ أثرهما، بل لأنني أؤمنُ أن الكتابة، حين تكونُ صادقة، لا تشيخُ، ولا تموتُ.

 

في عروقي يجري نبضٌ من حروفهم، وقلبي يحملُ صدى أصواتهم. لم أتربَّ في حضنهم، لكنني تربَّيتُ على سطورهم، وعرفتُ كيف تكونُ الكلمةُ سيفًا لا ينكسر، وكيف يكونُ الفكرُ شعاعًا لا يخبو. أدركتُ أن الكلمةَ ليست مجردَ مجموعةٍ من الحروف، بل هي روحٌ تُحلِّقُ في سماءِ الفهم، وتغرسُ بذورَ التغييرِ في الأرض. لا يهمُّني إذا قالوا إنني صغيرة، فالعظمةُ لا تأتي مع السن، بل مع الفكرةِ التي تخترقُ المدى، والقصيدةِ التي تتحدى الواقع.

 

أولئك الذين يظنون أنني مجردُ فتاةٍ تحملُ قلمًا، لا يعلمون أنني ورثتُ من المتنبي شموخَ الجبل، ومن محمود درويش الحلمَ الذي لا يموت. فحينما أكتبُ، لا أكتبُ للظرفِ ولا للزمنِ، بل للروحِ التي تنبضُ في كلِّ حرفٍ، لقلوبٍ تشرقُ من بين الكلماتِ، ولعقولٍ تتيهُ في فضاءاتِ الأدب. إنَّ الكلمةَ إذا كانت حقيقية، فإنها تنبضُ بالحرية، ولا تهابُ القيدَ ولا خوفَ الزمن.

 

أعلمُ أن لا شيءٍ في الحياةِ يستحقُّ الوقوفَ عنده، سوى الكلمةِ التي تغيّرُ كلَّ شيء. فالكلماتُ التي ينبثقُ منها شعاعُ الحقيقةِ لا تقتصرُ على الزمانِ، بل تغزو العقولَ وتزرعُ الشغفَ في الأرواح. مثلما قال المتنبي: “على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ”، وأنا عزيمتي أكبرُ من كلِّ شكٍّ، وقلمي لا يهدأُ إلا حينما يشيدُ عالمًا من الضوءِ والظلال. في داخلِ كلِّ كلمةٍ أكتبها، هناك معركةٌ حرةٌ، وهناك نصرٌ قادمٌ. لا تهمني أقدارُ هذا العالمِ، ولا الزمانُ الذي نعيشه، ما دمتُ أملكُ القدرةَ على أن أكتبَ، أن أغيرَ، وأن أخلقَ من الأفكارِ عالمًا جديدًا.

 

أما محمودُ درويش، فقد علمني أن لا شيءٍ يستحقُّ أن نضحيَ من أجله أكثرَ من الأمل. في لحظةِ الكتابةِ، لا أرى سوى الضوءِ الذي ينفذُ من بينِ الكلمات. في لغتي، أرى وطنًا لا يرحل، وحلمًا لا يذبل، وأصواتًا تترددُ في الأفقِ، تسأل: هل نحن بالفعل أحياء؟ هل نحن على قيدِ الحرفِ؟ وهل سيظلُّ هذا الأثرُ قائمًا بعد أن يغادرنا الزمن؟ إن الكتابةَ بالنسبةِ لي هي معركةٌ مستمرةٌ، حوارٌ بين العزيمةِ والألم، بين الأملِ والواقع، وبين الروحِ والعقل.

 

لكنني، وسطَ هذا البحرِ من الكلمات، لا أسمحُ لأي هبوبٍ أن يعكرَ صفوي. فكلُّ حرفٍ أكتبه هو علامةٌ على أنني لا أخافُ مواجهةَ الرياحِ العاتيةِ، بل أستقبلها بشجاعةٍ من يعرفُ كيف يكونُ القلمُ هو السيفُ الذي يطهرُ العقولَ من ضبابِ الجهل. أن أكتبَ، يعني أن أكونَ على مرمىً من الحقيقةِ، لا أهابُ الطريقَ ولا غموضَه، بل أشتاقُ إلى الحرفِ الذي ينيرُ لي دربي.

 

أنا حفيدةُ المتنبي ومحمودِ درويش، ولكنني لستُ مجردَ تلميذةٍ تكتبُ التاريخ. بل أنا التي ستسطرُه، وسترسمُ ملامحَ المستقبلِ بالكلماتِ التي لا تعرفُ سوى أن تكسرَ القيودَ، وتفتحَ أبوابَ الأفقِ أمامَ كلِّ فكرةٍ جديدة. أنا التي سأعلمُ العالمَ أن الكلمةَ أقوى من أي سلاحٍ، وأن الفكرَ أسمى من أي حدٍّ. الكلمةُ هي جسرٌ بين الأزمانِ، وهي الطريقُ الذي سيظلُّ ينيرُ الطريقَ للأجيالِ القادمةِ، كما فعلت كلماتُ المتنبي ودرويش.

 

في كلِّ حرفٍ أكتبه، في كلِّ فكرةٍ أتخيلها، أرى عيونهم تراقبني، وأشعرُ أنني أحملُ عنهم أمانةً. أمانةً أن أبقى وفيةً للكلمةِ التي لا تقبلُ أن تُحاصر، وفيةً للفكرِ الذي لا يتوقفُ عن التحليقِ في آفاقٍ جديدة. أكتبُ، وأعلمُ أن الكلمةَ التي أطلقها اليومَ ستظلُّ تحيا، وستظلُّ صدىً يترددُ في العقولِ والأرواح. لأنني حفيدةُ المتنبي ومحمودِ درويش، ولأن الكلمةَ التي أكتبها ليست سوى وعدٍ بالخلود.