مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حافة النسيان بقلم أمجد حسن الحاج

حافة النسيان بقلم أمجد حسن الحاج

 

​لم يكن ذاك الارتفاع مجرد تحدٍ للصعود، بل كان جدارًا سميكًا يفصل “ما كان” عن “ما لن يكون أبدًا”. كان يوسف، أو بالأحرى ما تبقى منه، يتدلى من حافة صخرية، قطعةً سوداءَ ضئيلةً محفورةً على خلفية البياض المطلق. لم يكن سقوطه بسبب تعثر في تسلق جبل، بل كان انهيارًا كاملاً لروحه المثقلة.

​منذ سنوات، كان يوسف يركض صاعدًا، متجاهلاً التحذيرات. كان يرى قمة النجاح والشهرة بريقًا لا يجب أن يخفت. ضحى بكل شيء: بصوته الداخلي الذي يهمس له بالراحة، بليالي عائلته الهادئة، وبوعوده القديمة لأصدقائه. كان يجمع الأحلام ويضعها في سلة واحدة، سلة هشة مصنوعة من طموح جامح، ثم ألقى بها نحو الأعلى بتهور لم يدرك عواقبه إلا الآن.

​الآن، يده الوحيدة الممسكة بتلك الحافة الباردة لم تكن تشد على الصخر، بل على خيط رفيع من الذكريات اليائسة. يتذكر وجه أمه المبتسم قبل أن يرحل، وهي تطلب منه أن يعود سالمًا، وتلميح زوجته الأخير الذي تجاهله عن حاجتها إليه. تلك الكلمات والوجوه لم تعد قوة دفع، بل ثقلاً هائلاً يسحبه إلى الهاوية.

​في الأسفل، العتمة حالكة، هاوية لا قاع لها، هي ذاتها الهاوية التي حفَرها في علاقاته. كان يعتقد أن الوصول إلى القمة مبررٌ لجميع التضحيات، وأن غياب الاهتمام لا يهم طالما أن المجد ينتظره. لكنه اكتشف أن القمة التي وصل إليها كانت مجرد رقعة ضيقة من العزلة، لا تتسع إلا لشخص واحد يرتجف خوفًا.

​شعَر بأصابعه تتخدر، وفكّاه يتصلبان، وقطرات عَرَقِه المتجمدة تسقط كدموع صامتة في الفراغ. لم يعد الأمر يتعلق بالقوة الجسدية؛ لقد استنفدت قواه العاطفية منذ زمن بعيد. أدرك في تلك اللحظة الرهيبة أن الوحدة هي الثمن الباهظ الذي دفعه مقابل طموحه الأعمى. لم يكن هناك أحد ينتظره ليشدّ يده، لأن جميع الأيادي التي كانت ممتدة له قد سئمت الانتظار وغادرت إلى أمانها.

​شريط حياته يمر سريعاً أمام عينيه، ليس كإنجازات تتباهى بها، بل كأخطاء موجعة تتراكم. كل خطوة صعود كانت خطوة ابتعاد عن جوهره، وكل إنجاز كان قشرة تخفي فراغاً عميقاً. الآن، الهاوية تناديه، ليست نهاية رحلة، بل نهاية نسيان طويل لنفسه ولمن أحب. كانت آخر ذرة مقاومة لديه تتلاشى، تاركة إياه وحيدًا مع اختياره الأخير: التشبث بالزيف، أم الاستسلام لجاذبية الندم الأبدي.