“تُجرحان قلبي “
ك / صافيناز عمر
أمي ، أبي.
أكتب إليكما وفي قلبي جروحٌ غائرة لا يراها أحد، وفي روحي صرخاتٌ مكتومة لم تجد يومًا سبيلها إلى مسامعكما. لقد أرهقني الصمت، وأتعبتني محاولاتي في أن أبدو بخير وأنا أتشظّى في داخلي كلّما ارتفعت بينكما أصوات الجدال.
إنّ البيت الذي وُلدتُ فيه كان ينبغي أن يكون مأمنًا وملاذًا، فإذا به يتحوّل إلى ساحة خصام، جدرانه مشبّعة بصدى الغضب، وزواياه شاهدة على انكساراتي الصغيرة. إنّ كل كلمةٍ قاسية تتبادلانها تنغرس في قلبي كسهمٍ غادر، وكل لحظة غضب بينكما تقتطع من براءتي جزءًا وتترك في داخلي ندبةً لا تزول.
أما تعلمان أنني أفتقد الأمان بين ذراعيكما؟ أما تدركان أنني أعيش في خوفٍ دائم من أن يتجدّد الخلاف ويشتعل النزاع؟ أنا لم أعد أستطيع أن أحتمل هذا النزيف المستمرّ لروحي، ولا هذه الفوضى التي تجعلني غريبة في وطني الأول: بيتكما.
أمي.. أبي..
عاتبيكما ليس قسوةً ولا تمرّدًا، بل رجاءٌ مكلوم من قلبٍ أنهكه النزاع. أعاتبكما لأنكما معًا جذر وجودي، لأنني حين أراكما خصمين أشعر أن الأرض تهتز من تحت قدمي، وأن السماء التي احتميتُ بها تنطفئ نجومها. أعاتبكما لأنني أحتاجكما كنبضٍ يحييني، كظلّ يظلّلني، كجدارٍ أستند إليه فلا أسقط.
لقد كبرتُ قبل أواني، وأُجبرت أن أفهم ما لا يُفهم، وأن أحمل همومًا أثقل من عمري. صرتُ أتساءل: أهذا هو الحب؟ أهذا هو الزواج؟ أهذه هي المودّة التي حدثني عنها الله في كتابه؟ إنّكم تتركونني ممزّقة بين خوفٍ من الحاضر ورعبٍ من أن يعيدني المستقبل إلى نفس الدوامة.
أمي.. أبي..
أحتاج أن أرى بينكما رحمة، أن ألمح في أعينكما عطفًا لا غلظة، أن يسكب أحدكما على الآخر ماء الصبر لا نار الغضب. أريد أن أبني في داخلي صورةً لبيتٍ يليق بإنسانيتي، بيتٍ يعلو فيه صوت الضحكة على صدى الخلاف، وتنتصر فيه لغة المودّة على نزاعات لا تُثمر إلا الخراب.
رفقًا بي.. فأنا ابنتكما، قطعة منكما، ثمرة حبٍّ كان يومًا بينكما. لا تجعلوا حياتي حقلًا لتجارب غضبكم، ولا تجعلوا قلبي ضحيةً لنزاعات لا تنتهي. كلّ ما أريده أن أشعر أنني محاطة بحائطٍ من طمأنينة، أنني أستند إلى حضنٍ دافئ لا إلى فراغٍ مخيف.
إن كنتما تحبّاني كما أظنّ، فاجعلا حبكما لبعضكما سلامًا لي، ودعاءً يظلّلني، وملجأً يعيد لي يقيني بأن البيت هو أقدس أماكن الأمان. فأنا أنهكتني الجراح، وأثقلتني الندوب، ولم أعد أحتمل مزيدًا من الانكسار.






المزيد
بين الكتمان والطمأنينة بقلم ابن الصعيد الهواري
بين الخوف والتعوّد… يولد الاتزان بقلم ابن الصعيد الهواري
حين تتكئ النفس على نفسها… وتكتشف وجوه الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري