كتبت: د/ ناهد سلامة
لقد أصبحت مشكلة كبرى، ظاهرة المغالاة في المهور في مجتمعنا العربي، بل وكافة الأقطار العربية، وفي ظل الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد، والغلاء الذي تشهده في مهور الزواج؛ فوجب التصدي لهذه الظاهرة التي تستحق التوقف، بل تحتاج إلى شحذ الهمم لمواجهتها بكل الوسائل.. إعلاميًا ودينيًا واجتماعيًا وثقافيًا، بعد أن تمادى الأمر، وخرج عن حقه كثيرًا.
فنجد كثير من الناس وصلوا إلى حد الإسراف والتباهي في تجهيز العرائس، فكم من بيوت يتم شحنها بأمور لا حاجة لها، وكم من خلافات بين أهل العروسين تتم على أتفه الأسباب؛ لدرجة أن الطرفين يتربصان لبعضهما وكأنهما أعداء في معركة حربية، وكم من فتيات لم تلحقن بركب الزواج بسبب تعنت آبائهن،.. وكم أمهات أصبحن من الغارمات بسبب جهاز بناتهن، وكم حالات تم تطليقها قبل عرسها؛ لحدوث خلاف فى شرط أو مطلب، وكم من حالات تم فسخ خطبتها لعجز طرف عن تحقيق مطلب، وكم من مهور عالية التكاليف شجعت أصحابها على التقاضي؟
متغاضية عن الأمر الإلهى “أو تسريح بإحسان”.
ومِنْ هنا كانت محاولات رجل القانون المستشار عاطف حلمي ناصف بعمل ندوات تثقيفية دامت لشهور سرًّا في منزله، ثم بين أهله، إلى المؤيدين لفكرته.. والجميل في حلمي عند بداية تواتر هذه الفكرة إلى خاطره، والتي هي لخدمة بلدته أولًا قبل نفسه.. هو اهتدائه بخير الهدي؛ هدي محمد بن عبدالله – عليه الصلاة والسلام- عندما بدأت دعوته إلى الدين الإسلامي سرًّا،.. إلخ هذه القصة التي يعلمها كل منا، وكم مرت بعراقيل، إلى أن أتمَّ الله نوره ونصره..
كانت محاولات حلمي في البداية في منزله باحتشاد المؤيدين لفكره، ومناقشة تلك القضية، وعراقيلها، واقتراح وثيقة تكون في متيسر الجميع؛ لتطبق أولًا على نفسه قبل بلدته؛ ليكن قدوة لهم في التخلص من تلك العادات السيئة التي تكون بعيدة كل البعد عن الدين الإسلامي وسماحته، والدور المهم كان للأستاذ محمود سلامة في تسجيله للمقتراحات، وعرضها ومناقشتها وأيهما يتم حذفه، وأيهما يستبدل، يُخفف… إلخ من التعديلات وصولًا لشكلها النهائي الذي سنوافيكم به في النهاية.
لم تقتصر محاولات حلمي إلى هذا الحد، ولكن خرجت إلى النور، والجمع بين أهل بلدته كواحد منهم، وتخليه عن حلله الرسمية، بكلمات أخ يخاف على إخواته، أبٍ على أبنائه؛ فكل مَنْ في القرية هم أهله دون تفريق، وإن لم يجمعهم راباط الدم والنسب، وعلى عين الجميع يخصص يومين من كل أسبوع؛ ليستمع إليهم، ويحاول إيجاد حلول ترضِ الجميع.. فجاءت محاولته التي كانت علنًا في ( مركز شباب أتريس) باجتماع أهل البلدة كإخوة واحدة على قلب رجل واحد مسلم وغيره؛ فقد ضم اللقاء عدد من القامات التي تحدثت باسم أتريس كلها، بل والقطر العربي كله.
أ.محمود سلامة مقدمًا للندوة.
أ. أحمد حسين رئيس مجلس إدارة مركز شباب أتريس.
والمستشار عاطف ناصف القائم على هذه المبادرة، والتي تمت تحت رعايته.
و الشيخ محمد الجزيري العالم الأزهري.
وأ. ناصر مرعي متحدثًا عن جمعية الرأفة
وأ. عاصم مصطفى متحدثًا عن الجمعية الشرعية.
وأ. أيمن مرجان عن مؤسسة حياة كريمة. والأنبا بلامون راعي كنيسة لسيدة العذراء، والأنبا موسى.
وضم الحديث أيضًا د. قطب ناصف، أ. إيمان ناصف، وأفاتن العبد.
والعجب أن هذه ظاهرة المغالاة تكون بكثرة في المجتمعات الريفية، والغريب المحزن، أن هؤلاء يحرصون على التمسك بهذه التقاليد والمغالاة عند تزويج ابنته أو ابنه، ومبررهم “كل الناس بتعمل كده” رغم أنه لا يختلف أحد على أن الأسرة التى تقوم على البساطة سواء فى المهور أو الجهاز أو المسكن أسرة سعيدة؛ لأنها لا ترى سعادتها فى المظهر أو المادة وإنما سعادتها فى التفاهم والتقارب والمراعاة بكافة جوانبها.
فالسعادة الحقيقة هي في الرضا والقناعة، وعدم الاهتمام للقيل والقال.
سنكون بخير، تتعافى هذه الأمة عندما تبتعد عن الأنانية، والمظاهر، وسعادتها في أن تقتنع بما قسمها الله لها، وعدم النظر لعيش الغير؛ فقد خلقنا الله متفاوتون لحكمة يعلمها هو؛ فإن شاء جعلنا جميعًا أغنياء، ومن أصحاب المناصب العالية؛ فغني وفقير بيكمل بعض، وكل الوظائف والمهن تكمل بعضها البعض.
ففي الوقت الحالي أصبحنا نجد معظم الزيجات يتم ملىء بيوتها بأشياء لا حاجة للزوجين لها على الإطلاق مثل: حجرة الأطفال التى تتسبب أحيانًا في خلافات مع أن الأطفال لم تأت بعد!، وكذلك ما يُسمى بالنيش المملوء بأشياء مصيرها التكسير على يد الأطفال والأبناء، والآلاف التى تنفق فى حفل الزواج بلا داعٍ أو مبرر، وعشرات الأطقم من الملابس والحُلى رغم أن مصيرها التخزين والمناسبات، والولائم التى تقدم وأصحابها هم أحوج الناس إلى أموالها، لكن ماذا نفعل أمام التفاخر والتباهي، وقد نهى الدين والشرع عن ذلك.
فكان ولابد من موقف لهذا التقليد الذي سلَب الناسَ تفكيرهم، فما عمله فلان، لا بد أن يعمله هو وزيادة.. أفلا يَقتدي هؤلاء بما عمله الرَّحمةُ المهداة صلى الله عليه وسلم؟
أفلا يتأسَّى هؤلاء بما فعله الصَّحابةُ الكرام رضوان الله عليهم أجمعين؟
وللأسف الشديد هذه المشكلة (غلاء المهور).. قد تحتاج للمزيد من الوقت، لكن أصدق شيء تَحتاج إليه هو نيَّة صادقة، وهمَّة عالية، ونبذ العادات والتقاليد، والانقياد إلى كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بالصَّحابة الكرام والسَّلف الصلح رضوان الله عليهم أجمعين.
ولقد ضرَب النَّبي صلى الله عليه وسلم لأمَّتِه المثلَ الأعلى في ذلك، حتى ترسخ في المجتمع النَّظرةُ الصَّادقة لحقائق الأمور، وتشيع بين الناس روح السهولة واليسر.
أبو داود والنَّسائي – واللَّفظ له – عن ابن عباس أن عليًّا قال: تزوَّجتُ فاطمة رضي الله عنها، فقلت: يا رسول الله، ابنِ بي – وهو الدخول بالزوجة – قال: ((أعطِها شيئًا))، قلت: ما عندي من شيءٍ، قال: ((فأين دِرعُك الحُطَميَّة؟))، قلت: هي عندي، قال: ((فأعطِها إياه))
فهذا كان مَهر فاطِمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيِّدة نساء أهل الجنة، وهذا يؤكِّد أن الصَّداق في الإسلام ليس مقصودًا لذاته.
هي بنت مَن؟ هي زوجُ مَن؟ هي أمُّ مَن؟
من ذا يساوي في الأنام عُلاها؟
أمَّا أبوها فهْو أشرَفُ مرسَلٍ
جبريلُ بالتَّوحيد قد ربَّاها
وعليُّ زوجٌ لا تسَل عنه سوى
سيف غدا بيمينه تيَّاها
وقبل الشيء الأخير الذي أختم به أن نضع في نُصب أعيننا قيم الزَّواج وأهدافه الرئيسية؛ السكن والرَّحمة والمودَّة، وكالاستمتاع والإنجاب، وتربية الأولاد الصالحين، والتقارب الاجتماعي، وغض البصر وحفظ الفرج، وإشاعة الفضيلة والحد من الرَّذيلة في المجتمع، وغيرها من الأهداف – يقحِم كثيرًا من الأولياء إلى المغالاة في المهور، والجدير بهم كمسلمين أن يَستشعروا، ويستحضروا هذه الأهداف النَّبيلة، لتكون لهم دافعًا لتحصين الشباب وتزويجهم.
ولو عُدنا لكافة الديانات نجدها ترفض هذه المغالاة؛ فها هى الشريعة المسيحية تؤكد دوما أن الزواج الناجح في المسيحية مبني أولًا وأخيرًا على حضور الله فى الأسرة وكل شيء بعد ذلك يدخل فى هذا النطاق.
إن بركة الزواج مرتبطة باليسر، حيث قال النبى الكريم: أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً، و”خيرهن أيسرهن صداقًا”، وهو ما يوضح أن التيسير فى التكاليف تعقبه البركة فى الزواج والسعادة بين الزوجين بلا شك، لهذا يجب أن يعلم كل متورط، أنه يسير عكس روح الشرع وسلامة العقل، فما سيقام على المنافسة والمباهاة ستبعد عنه المودة والرحمة اللتان تعدان جوهر الزواج فى كافة الأديان،
فكلنا أمل أن نعود إلى رشدنا حتى لا نشارك فى جلب المفاسد إلى بيوتنا بأيدينا، ونحن بكامل أهليتنا العقلية.
وأخيرًا: الأسئلة التي وردت إلي، والمتبادرة إلى ذهن البعض حول ما الذي يبغاه حِلمي من هذه المبادرة؟
ولنجيب في بضع كلمات هي بحق هذه القامة العالية، والرمز المثالي لهذا الشخص الكريم، ذو المنبع الأصيل، الغرس الطيب الذي يُزهر أينما حل، ورجل المواقف، والمحب للخير، والخدوم لأهل بلدته.
يعلم الجميع مَنْ هو عاطف ناصف، وأنه -حفظه الله- لا حاجة له للجاه أو السلطة أو المال تكون مبتغاةً من هذه المبادرة، ومبتغاه من ذلك هو رضاء الله عزَّ وجل، وعلو الهمة في مكافحة تلك العادات السيئة التي تُسيء إلى البلدة التي يُنسب إليها، ودعوة إلى العودة إلى كتاب الله وسنة نبيه، والبعد عن كل هذه المفاخرات التي لا داعِ لها، والحفاظ على جو أسري يسوده المحبة والوئام والرحمة عملًا بقول الله عزَّ وجل ” وجعل بينكم مودة ورحمة”






المزيد
أنا التي عبّرت نفسي
نظام الطيبات على الميزان
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل