مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ترنيمة العشق المقدّس

Img 20250327 Wa0048

كتبت منال ربيعي

 

يا عشتار، يا نجمة المساء، يا شعاع الفجر،

أنتِ التي تضيئين دروب العاشقين،

تحملين سيفكِ في وجه الظلم والطغيان،

تمنحين الأرض خصبها،

وتسكبين النور في قلوب المتعبين.

 

يا سيدة السماوات والأرض،

اسمعي صوتي، أميطي عني الحزن،

باركي أيامي بالنور، واملئي قلبي بالقوة،

أنتِ التي تهبين الملوك مجدهم، وتحمين الضعفاء،

كوني لي درعًا ووهبًا، نورًا وسكينة،

أيتها العظيمة، يا ملكة الملوك، لكِ أنحني!

 

رحلة إلى زقّورة أورا

 

حين ارتفعت أصوات الكهنة تتردد كأصداء في جنبات السهل، كنتُ قد وصلتُ إلى تلّ أورا، ذلك المرتفع الذي يشرف على نهر الفرات، حيث تعلو زقّورة أورا شامخةً، تتحدى الزمن، وترفع أبراجها كأنها ممرٌ للآلهة نحو السماء.

 

كانت الزقّورة بيضاوية الشكل، ترتفع على هضبةٍ تطلّ على الفرات، في موقعٍ يجعلها أشبه بجوهرةٍ مقدّسة تستحمّ في ضوء الشمس صباحًا، وتتلألأ بأنوار النيران المقدّسة ليلًا. انهمر النهر تحتها في مجراه الأزلي، يعكس على سطحه أضواء المشاعل المتراقصة، كأنّ النجوم قد سقطت من السماء لترتمي في أحضانه.

 

وقفتُ عند إحدى بواباتها الستّ، متأملًا النقوش التي تحكي عن انتصارات الملوك، وعن عشتار، التي تهب البركة وتسكب العطاء بيدٍ، وتحمل السيف بيدٍ أخرى. كانت البوابات شاهقة، يزين كلّ واحدةٍ منها تمثالٌ لعشتار، جسدها الحجري ينضح بالجلال، عيناها الكحيلتان تحدّقان في القادم إليها، كأنهما تزنانه، تحكم عليه قبل أن يخطو عتبة المكان المقدّس.

 

رائحة العنبر والبخور كانت تُزكم أنفي، تمتزج برائحة الطين الرطب القادم من النهر، وجفاف الرمال الحارقة التي يبعثها الهواء. تحت وهج النيران المقدّسة، شعرتُ أنني أمام بوابة القدر ذاته، حيث يُمحى الحزن، أو يُعمَّد العذاب بالنار.

 

دخلتُ من البوابة العظمى، متقدمًا في دهاليزٍ مزينةٍ برسوم تصوّر الآلهة، وآنيةً فخاريةً تحوي زيتًا مقدّسًا، تضيئه مشاعل خافتة تُلقي بظلالها على الجدران. تقدّمتُ نحو ساحة الطقوس، حيث كانت الترانيم تزداد علوًا، والكهنة يرددونها بقلوبٍ غارقةٍ في الإيمان:

 

“اسمعي صوتي، أميطي عني الحزن،

باركي أيامي بالنور، واملئي قلبي بالقوة،

يا من تهبين الملوك مجدهم، وتحمين الضعفاء،

كوني لي درعًا ووهبًا، نورًا وسكينة،

أيتها العظيمة، يا ملكة الملوك، لكِ أنحني!”

 

اقتربتُ من التمثال الحجري، الذي تَمثّلت فيه عشتار بوقفتها المهيبة، قدماها الحافيتان على قاعدةٍ منحوتةٍ بتنانين مجنّحة، وبين ذراعيها هلالٌ حجري يُشعّ بالنور. كان عليّ أن أقدّم نفسي للبركة، فمسحتُ قدميها بزيتٍ مقدّس، ثم دهنتُ جسدي به، كأنني أطلب أن يُمحى الماضي وتُمنح لي بدايةٌ جديدة.

 

طقوس العشق المقدّس

 

لم يكن هناك عودةٌ الآن. اقتربتُ من الكاهن الأعظم، فانحنى أمامي، ثم ربط عصابةً سوداء بإحكامٍ على عيني، وهمس بصوتٍ أشبه بالنبوءة:

 

— “من يُقدِم على الطقس المقدّس يجب أن يكون معصوب العينين. لا ترفع العصابة مهما حدث، وإلا حلت عليكِ لعنة العظيمة إلى الأبد. ستذهب إلى البوابة، وهناك ستقودك الكاهنة إلى من اختارتها لك عشتار. باركها بهدبتك، وامنحها نقودك، لتبارك لك في مالك وقوتك.”

 

كنتُ أرتجف، لا من الخوف وحده، بل من رهبة ما سأخوضه. لم أمارس هذه الطقوس من قبل، لكن الحاجة دفعتني إلى ذلك.

 

شعرتُ بيدٍ ناعمةٍ تأخذ كفّي، قادتني في صمتٍ عبر الممرات العتيقة حتى وصلتُ إلى حيث كان عليّ أن أهب نفسي للبركة. استلقيتُ على ظهري، وأنا أسمع صوتها يهمس صلواتٍ بلغةٍ لم أفهمها، أو ربما كنتُ غائبًا عن الوعي منذ أن شعرتُ بحرارة أنفاسها تلامس جلدي.

 

وحين تهاوى ثوب الحرير الأبيض عن جسدها، وشعرتُ بدفء فخذيها يعتلي جسدي، غرقتُ في لحظةٍ لا تُشبه أي لحظة عشتُها من قبل. لم يكن الأمر مجرد اتحاد جسدين، بل كان امتزاجًا بين روحي وروحها، كما لو أنّي خُلقتُ من جديد تحت ظلّ عشتار.

 

همستُ في لهفةٍ مبحوحة:

— “ما اسمكِ الحقيقي، يا امرأة؟”

 

اقترَبتْ من أذني، ولفظتْ الاسم كما لو كان تعويذةً أزليةً:

— “أنا تيفا.”

 

تردد الاسم في رأسي كترنيمةٍ سماوية، واشتدت قبضتي حول جسدها كما لو كنتُ أخشى أن تتلاشى كحلم. قبلتها بجنون، وغرقتُ في رحيق شفتيها حتى انطلقتْ الأجراس والدفوف تعلن اكتمال الطقس.

 

خمس سنوات من البحث

 

عندما نهضَتْ وغادرت، لم أتبِعها. كنتُ قد نلتُ البركة، عدتُ محملًا بالهدايا، وأعدتُ بناء بيتي، وزرعتُ الكرم من جديد. صارت الأرض تُزهر، وصار النبيذ أصفى، لكن شيئًا واحدًا لم يتغيّر: كلما عدتُ إلى المعبد، لم أكن أبحث عن الصلاة، بل عن تيفا.

 

خمسُ سنواتٍ مرّت، أصبحتُ أغنى وأقوى، لكنّني لم أتزوج. كانت عيناي تبحثان في الوجوه عن امرأةٍ غادرتْ ولم تعد.

 

وفي إحدى الليالي، بينما كنتُ أسير على أطراف المدينة، سمعتُ الصوت الذي لم أنسه يومًا، يهمس خلفي:

 

— “يا هذا، أيها المبارك…”

 

استدرتُ، فرأيتُها أمامي. جسدها ملفوفٌ بنمرة، وعيناها بلون العسل المصفّى. تقدّمتْ نحوي، ومسحتْ خدي بكفّها الناعمة.

 

— “باركتني، وأنجبتُ فتاة. ها هي الآن في كنف كاهنات المعبد.”

 

تلاشى العالم من حولي، ولم يبقَ سوى وجهها، والعمر الذي ضاع دونها. ابتسمتُ، وهمستُ بصوتٍ يحمل رهبة البدايات الجديدة:

 

— “هل تقبلين الزواج مني، يا تيفا؟”