بين صمتين (الفصل الرابع: رسالة لم تُفتح)
بقلم هاني الميهى
كانت الرسالة هناك، في زاوية الهاتف، تحمل الرقم الأحمر الذي يلحّ كجرسٍ داخلي لا ينطفئ. كلما أمسكتُ بالجهاز ومررتُ بعيني على شاشته، لمعت أمامي أيقونة صغيرة توحي بانتظار، دعوة لفتح بابٍ مجهول. ومع ذلك، لم أقترب.
الرسالة غير المقروءة كانت أثقل من آلاف الكلمات المقروءة. شعرتُ أنها ليست مجرد حروف مرسلة، بل قدرٌ مختبئ في مغلف رقمي. إن فتحتها، قد يتغير مساري كله، وإن تركتها، قد أبقى أسير سؤال لن يغادرني.
الغريب أنّني لم أكن وحدي. كثيرون حولي يعيشون تحت وطأة رسائل مؤجَّلة. رسالة حب لم يُفتح بريدها خوفًا من خيبة، رسالة عمل لم يُردّ عليها خشية التزام جديد، رسالة اعتذار لم تُقرأ لأن الكبرياء يحجب العين قبل أن يحجب القلب.
الرسائل المؤجَّلة، تلك التي تظل معلّقة، هي أشبه بأبواب نصف مفتوحة: ندرك أنّ وراءها حياة أخرى، لكننا نختار البقاء في ممرّ الانتظار.
سألت نفسي: لماذا نُرجئ؟ هل لأننا نخشى الخسارة، أم لأننا نتمسك بالاحتمال أكثر من الحقيقة؟ الاحتمال يمنحنا وهم الأمان؛ ففيه كل الاحتمالات الجميلة، وكل النجاة الممكنة. أما الحقيقة، فإنها صلبة، محدودة، لا مجال بعدها للخيال.
تذكرتُ رسائل ورقية قديمة، كانت تصلني بخط اليد. كنتُ أفتحها بلهفة، حتى لو كنتُ أعلم أنها تحمل خبرًا لا أريده. كان الورق يمنحني شجاعةً ما، لأنني أشعر أن الكلمات كتبت بيدٍ بشرية، وأن وراءها قلبًا نابضًا. أما رسائل اليوم، فهي محجوبة خلف شاشة باردة، لا وجه ولا صوت، مجرد إشعار صغير قد يغيّر حياتك أو يحطمها.
ظللتُ أيامًا أنظر إلى تلك الرسالة دون أن ألمسها. صرتُ أعيش معها كأنها مخلوق يراقبني. في الصباح أراها أولاً، وفي الليل ترافقني قبل النوم. لم أكن أعلم إن كنتُ أتهرّب من الحقيقة أم أؤجل مواجهتها. لكنني كنتُ متأكدًا من شيء واحد: الرسالة في صمتها أقوى من أي كلمات قد تحملها.
إنّ الرسالة غير المفتوحة تملك سلطة عجيبة. فهي تظل تحمل كل المعاني الممكنة، تظل حياةً محتملة كاملة لم تُعاش بعد. قد تكون بداية جديدة أو نهاية قاسية، وقد تكون مجرد جملة عابرة لا معنى لها. لكنّها، في بقائها مغلقة، تظل أوسع من الحقيقة نفسها.
في النهاية، لم أفتحها. تركتُها كما هي، كجرح لا يلتئم ولا ينزف. ربما كنتُ أحتاج أن أبقي شيئًا معلّقًا في حياتي، شيئًا يُذكّرني أنني ما زلت أملك خيارًا لم أستخدمه. ذلك الخيار قد لا يكون خلاصًا، لكنه على الأقل نافذة للانتظار.
ولعلّنا جميعًا نحمل بداخلنا رسائل لم تُفتح، لا في هواتفنا فقط، بل في قلوبنا. رسائل من الماضي، من أشخاص غابوا أو ماتوا أو ابتعدوا، رسائل لا نجرؤ على قراءتها خوفًا من أن تسلبنا ما تبقى من أوهامنا.
وربما كانت الرسالة نفسها تعلم أن بقاءها مغلقة يجعلها أصدق من أن تُقرأ.






المزيد
الهوى المتكلف بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى
متاهة الوجع بقلم ميليا عبدالكريم