بين صمتين
الفصل الأول: حين يثقل الإشعار قبل فتحه
بقلم: هاني الميهى
هناك لحظة خفية، دقيقة في ثقلها، تقع بين اهتزاز الهاتف في يدك وبين انحناءة أصابعك لفتح الإشعار. لحظة صغيرة، لكنها تملك قدرة غريبة على شدّ القلب قبل أن يعي العقل ما يحدث. أهي بشارة تسعدك، أم خبر يبدّل مسارك، أم رسالة عابرة لا معنى لها سوى أنّك ما زلت على قيد الحياة في عالم يعجّ بالأصوات؟
لقد تغيّر شكل الانتظار في حياتنا. لم نعد نترقّب طرق الأبواب كما كان يفعل الآباء، ولا وقع خطوات قادم من بعيد، ولا صرير صندوق البريد المعدني الذي كان يحمل الرسائل. صارت لحظة الانتظار تنحصر في ضوء صغير يسطع على شاشة سوداء، إشعار يطرق القلب قبل أن يطرق العين.
في تلك الثواني، يتوقف الزمن قليلًا. قلبك يتسارع، خيالك يسبقك، ويدك ترتجف كأنها تمسك بمصير كامل لا مجرد هاتف. ما أعجب أن يكون المستقبل كله مطويًا في إشعار لم يُفتح بعد. وربما يكون الأمر مجرد إعلان تجاري لا علاقة له بك. لكنك، رغم ذلك، تبقى أسير هذه الثواني المعلّقة.
تأمّل كيف صارت حياتنا مربوطة بأجهزة صغيرة، وكيف انتقلت رهبة المجهول من الطرقات واللقاءات إلى شاشات مضيئة. صار الهاتف، بكل بروده، أشبه بباب زجاجي يطلّ على عوالم عديدة، بعضها يُسعدك وبعضها يكسرك، وبعضها يمرّ دون أثر، لكنه يذكّرك دومًا أنّك لست وحدك.
في تلك اللحظة التي تسبق فتح الإشعار، يتصارع في داخلك صوتان: صوت الأمل وصوت الخوف. الأمل يقول: “ربما هي رسالة طال انتظارها، ربما هو خبر سار يبدّل مسارك.” والخوف يهمس: “وماذا لو كان وجعًا جديدًا؟ ماذا لو كانت صدمة تُثقل روحك؟” وهكذا تصبح هذه اللحظة الصغيرة مسرحًا لصراع داخلي لا يراه أحد سواك.
والأغرب أنّنا نكرّر هذا المشهد مئات المرات كل يوم. لكنّه لا يفقد حدّته، لا يفقد ارتعاشته. كل إشعار جديد يُعيدك إلى ذات الحافة بين الرجاء والخوف. كل إشعار يحمل احتمالية أن يفتح لك نافذة على الفرح أو على الحزن أو على الفراغ.
إنّ هذه اللحظات تكشف هشاشتنا كبشر، وتفضح تعطّشنا إلى خبر يطمئننا أننا ما زلنا في صُلب الحكاية، أننا لم نُنسَ، أنّ هناك من يتذكّرنا أو يبحث عنّا. وربما، في عمقها، تفضح خوفنا الأكبر: أن يمرّ الزمن ونحن بلا أثر، بلا خبر، بلا إشعار يخصّنا.
إنّه زمن مختلف. زمن تُختصر فيه الغربة في هاتف صامت، وتُختصر فيه البشارة في شاشة مضيئة. وربما سيأتي زمن آخر تُختصر فيه الحياة نفسها في خوارزمية، لكن سيبقى قلب الإنسان معلّقًا في تلك اللحظة المراوغة: لحظة ما قبل فتح الإشعار.






المزيد
اليس غريبا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
صناعة الكتاب إلى أين بقلم سها مراد
قلوب بقلم ايمان الفقي