كتبت: آية الهضيبي
نحنُ بشر وهذا يتحتم علينا ألا نعيش في عُزلة ولا نختلط ببعضنا البعض، أو نعيش في وحدة وإلا لما خلق الله حواء من ضلع آدم لِتؤنسه.
وعندما ندخل تِلكَ الدائرة المليئة بالاجتماعية تُصبح العلاقات مُعقدة شيئًا فَشيئًا إلى أنْ نصل إلى طريق مسدود ولا نجد النهاية التي نتوقعها وهُنا تكمُن المُشكلة في سقف التوقعات عندما يعلو عن الحد، وانتظار المقابل دائمًا فنحن في الحياة أخذ وعطاء.
لِمَ لم تسأل عني مُنذ يومين؟!
أنتِ ملكة النكد، كنت أشعُر تجاهك بشيء، كان يجب ألا أهتم كثيرًا، ليتها لم تتحدث كثيرًا حتى أشعرتني بالاختناق..
كل تِلكَ العبارات وأكثر تُقال بين الجنسين عندما تربطهما علاقة وكل طرف إما أنْ يُعطي كل ما يملك ويُبالغ في الاهتمام وإما أنْ يُهمل حتى يظن أنه على صواب، سبق وأنْ قرأتُ كتابًا للدكتور مُحمد طه بعنوان “علاقات خطرة” وإنه حقًّا كتاب رائع أنصحكم بقرائته؛ فالحياة ليست قائمة على علاقة الرَجُل والمرأة فقط، فَهُناك علاقتك بذاتك وجسدك وعلاقتك بالمُجتمع ككل، وعلاقتك بشخصيات مُختلفة..
إذًا هُناك مُسميات للعلاقات الإنسانية والكثير يُفضل أن تكون العلاقة لها مُسمى(صداقة_ أخوةزواجصلة قرابة).. والحقيقة أنه يوجد بعض القوانين في إطار كل علاقة وتِلك القوانين وضعها المجتمع بل الإنسان نفسه وهذا حسب الدين والعادات والتقاليد والأهم حسب الإنسان ذاته وكيفية استخدامه لعقله، والحقيقة أنه لا يوجد علاقة مثالية ولكنها يمكن أنْ تظهر في تِلكَ الصورة لأن طرفا تِلكَ العلاقة حريصان على مداواة العيوب وتصليح كل شيء قبل تراكه ولا يعطون للجفاء الفرصة لهدمها، والعجيب أنَّ الدين الإسلامي جعل العلاقات الإنسانية خاصةً من الدرجة الأولى فوق أي شيء فقال تعالى:«وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ» فقد وضع القوانين وأوضح الحقوق والواجبات وفي النهاية ظلت تِلكَ الحقوق والواجبات كما هي رُغم اختلاف العقيدة ومع ذلك يضرب الدين الإسلامي أروع الأمثلة كي يُبين لنا بعض العلاقات وكيف سرت وكيف كانت نهايتها فَمثلًا في قصة إبراهيم عليه السلام يقول تعالى:«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (74)
ويقول:«إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) ويظهر في المشهد القادم عظمة الدين في وضع نظم القواعد الإسلامية:« قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إبراهيم ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا» (46)
وفي النهاية رُغم قسوة الأب على الابن إلا أنَّ الله أوصانا بهما حتى درجة الشرك فَنُصاحبهما في الدنيا معروفًا، وكذلك موقف إبراهيم عليه السلام من أبيه واستغفاره الله له وإن كان هذا الاستغفار ليس منه نجاة لوالده.
ومشهد نوح عليه السلام والسفينة وهُنا قلب الأب وهو ينفطر على فلذة كبده ولكن قد قُضي الأمر ولقى مصيره «وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ» (42)
وقد قال له الله مُسبقًا “ولا تُخاطبني في الذين ظلموا إنهم مُغرقون”، والله لطيف بعباده ويعلم أن في النهاية عاطفة الأبوة طاغية.
وتِلك كانت أعظم صور العلاقات التي ذُكرت وهناك أيضاً آسيا زوجة فرعون، وإليكم زوحة لوط عليه السلام، وتِلك كانت العلاقات على النقيض، وحتى النبي مع زوجاته وأبنائه.
فمهما تجاهلت العلاقات لا بُد أنْ تسقُط في فخ علاقة مهما كان نوعها أو مُسماها، ومهما حاولت أن تُحسن الاختيار، وفي النهاية لا تنتظر مقابل دائمًا ولا تغرق وتُسافر بخيالك بعيدًا وترفع سقف التوقعات عاليًا، وفي الوقت ذاته لا تقبل أقل مما تستحق.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي