كتبته:الإعلامية سبأ الجاسم الحوري
كيف أصف المكان حين تراه عيناي المرهقة؟ كيف أنقل لك صورتي وأنا أعيش بين جدران تئن من الشظايا؟
منذ طفولتي وأنا أحتضن الحرب، كأنها قدرٌ لا ينفك عني، شوارعنا التي كانت يوماً مضيئة بالضحكات، أضحت اليوم مليئةً بالدمار والصمت الموجع. مشاهد القتل والبشاعة تلتف حولي، تتغلغل في ذاكرتي، كأنها لوحة سوداء لا تتوقف عن التوسع.
عندما أسمع الانفجارات، تشعر روحي بأنها ترتعش، وكأن كل صوت يذكرني بأن الحياة يمكن أن تُقتلع في أي لحظة. هذا الرعب الذي يسيطر على وجوه الناس، الهلع الذي يغمرهم عند أول ارتداد للصوت، يجعلني أتساءل: متى سيأتي اليوم الذي سنعيش فيه بدون خوف؟ الأطفال الذين يجوبون الشوارع بأحلامٍ سرقت منهم قبل أن تبدأ، تراهم يركضون وكأنهم يسابقون القدر، بينما قلوبهم الصغيرة لا تعرف سوى الانتظار بين انفجارٍ وانفجار.
أما أنا، فأقف في مفترق الطرق، بين مستقبلٍ كنت أحلم برسمه بيدي، وبين حربٍ تعيدني دائمًا إلى نقطة الصفر. كيف يمكنني أن أطمئن وأنا أرى المستقبل يبتعد كلما تقدمت خطوة؟ إلى متى ستظل هذه الحرب تحكم قبضتها على حياتي؟ أين نحن من نهايتها؟ أم أن النهاية هي مجرد وهم نلاحقه؟
تقول لي الحرب: لن أنتهي حتى أنهيك. وأنا أقول لها: سأظل صامدة، وإن كنت معلقة بين الحياة والموت، بين الحلم والكابوس، سأكتب كل هذا الألم لتعرف الدنيا أنني عشت كل شيء
في وسط هذا الدمار الشامل، أبحث عن بصيص أمل، عن معنى يجعل الحياة تستحق العيش رغم كل ما نمر به. لكن كيف يمكن للأمل أن ينمو في أرض غمرتها الدماء؟ الحرب لم تترك شيئًا سوى الخراب والأرواح المتعبة. كثيرون ممن أعرفهم رحلوا، إما بأجسادهم أو بأرواحهم. باتت أحلامهم حطامًا، مجرد ذكريات تحت الأنقاض.
أحيانًا أجد نفسي أتساءل: هل ما زلت نفس الشخص الذي بدأ هذه الرحلة؟ أم أن الحرب قد صنعت مني شخصًا آخر؟
لقد غيرتني، علّمتني أن أكون قوية رغم الانكسار، أن أبحث عن الحياة بين الرماد. في كل مرة أسمع فيها صوت الانفجار، أدرك أن البقاء ليس مجرد فعل جسدي، بل هو قوة روح وإرادة.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب