مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بيت العز بقلم  زهراء حافظ رحيمه 

بيت العز بقلم  زهراء حافظ رحيمه

 

حينَ مالَ جدارُ بيتِنا العتيق،

لم أرَ طينًا يتهاوى فحسب،

بل رأيتُ ذكرياتي تتدلّى من الشقوق

كما تتدلّى ثمارُ الصيف من أغصانها اليابسة.

 

تذكّرتُ فجأةً أنّ هذا البيت

لم يكن يومًا خشبًا وحجارةً فقط،

بل كان يستندُ على كتفِ أبي الصابر،

وعلى دعاءِ أمّي النديّ كنسيم الفجر،

وعلى ضحكاتِ إخوتي التي كانت

تُدوّي في أرجائه كأنّها موسيقى الحياة.

 

تذكّرتُ أنَّ النوافذَ هنا

لم تكن تُطلّ على الشارع فحسب،

بل على طفولتي التي ركضتُ فيها حافيةً

بين الغرف،

وعلى وجوهٍ رحلتْ وظلَّتْ صورُها

عالقةً على الجدران.

 

كلُّ زاويةٍ في هذا البيت

كانت كتابًا صغيرًا من الذاكرة؛

البابُ الذي يصرّ كلما فُتح،

كان يصرّ بلهفةِ العودة.

والسقفُ الذي حمانا من المطر

كان يحمينا من برد الغربة أيضًا.

 

وحين مال الجدارُ ذات يوم،

مال قلبي معه،

وتعثّر داخلي الطفلُ الذي كنتُه.

لكنّي وقفتُ أتأمّل الخراب

وأقول لنفسي:

إنَّ البيوتَ الحقيقية ليست الجدران،

بل الأرواح التي سكنتْها،

والأصوات التي صلّت فيها،

والأحلام التي ظلّت تحلّق تحت سقفها.

 

كلُّما تشقّق الجدارُ

أسمعُ دعاءَ أمّي يُرمّمه من جديد،

وكلّما سقط حجرٌ

أشعر بكتف أبي يسندُ البيت في قلبي،

وتتردّد ضحكاتُ إخوتي في أركانه

كأنّها تريد أن تقول:

ما دام الحبُّ بيننا،

فلن يسقط البيت أبداً،

ولو سقطت كلُّ جدرانه.