كتبت: علياء زيدان.
كم من الجميل أن يعودُ المرء لتلك النفس التي أفتقدها؟ لسنوات عانى منها لبُّ صدره حتىٰ زهد في صحبة الناس، أن يجد المرء راحته في العزلة ومصاحبةِ نفسه مرة آخرى لا ينتظر ولا يُنتظر، لا يُريد من الدنيا التي زهد فيها سِوى أن يهنىء بهدوءٍ لا يعكر صفوه مخلوق، كأن الحياة تمدُ يدها من جديد وإن تركت بعض الآلام؛ لنتذكر كم عانينا؟ وكم تحملت أنفسنا؟ كم بكت أعيوننَا؟ كم مرة أحتضن فيها المرء وسادته في ظلمة غرفته باكيًا صارخًا يتمنى الموت على أن يتحمل مرارة الأيام وقسوتها؟ تلك الندوب والجروح التى تُذكره دائمًا أن لا راحة في العتاب، ولا راحة في صحبة أحدًا ولا يوجد من يستحق دفن الثقة بداخلِه برغم شدة الإشتياق لمن نُحبهم ونتمنىٰ لو ينتهى الأمر بقُربِهم، حتى في بعض الأحيان تمر تلك السنواتِ كفيلم سينمائي صغير عابر تدمع عيناه بمروره من أجل أن نتذكر كيف؟ ومتى؟ ولِمَ عانىٰ المرء بشدة حتى حرق ذاته على أشياء؟ ظن أنه كُسر بسببها وإن كُسر حتى فيُحيها الذي أنشائها أول مرة كما يُحيّ العظام وهي رميم، كم من الممتع أن لا تحمل حبًا ولا كُرهًا لمن كان أقرب لقلبك من وريده؟ فيكفي ذلك كعقاب ليدرك من كسرنا و أذاننا أنه ليس بظافرٍ، بل المهزوم فيرى كيف تدور الأيام؟ فتجورُ عليه كما جارَّ علينا، وأبكانا، وأدمى صدورنا بندوب لا تُشفى ظنًا منه أننا لا نستطيع الحديث والرد تكفيهم تِلك النظرة في أعينهم حسرة علينا الأيام، الأيام تدور فنعود بحبٍ شديدٍ لتلك العُزلة الطيبة الهنيئة وبدون إنتقام ينتقم لك ربك بدون أدنىٰ مجهود فقط تشاهد ردّ مظلمتك وكسرتك، حتىٰ الحب الذي لطالما بحثتُ عنه طوال عُمرك لتجد ونيسًا لعُمرك من يتفهمك ويفهمك، ذلك الحب الذي لطالما أردت البوح بِه لكل الناس تكتشف أن الحب الصامت أفضل دون البوح حتىٰ فتراه من بعيدٍ فقطّ، مجرد صورة في هاتف أو مقطع صوتي أو ذكريات جميلة تُدير بِها أيامك وتلك النصائح والجُمل التي طربت مسمعك تتردد عليك لتستمتع بِها وحدك وإن اختلط ذلك الحب ببعض من الماء الشائب الذي عَكرَّ بحر صفوِه وإن عانيت حتى مِن مَن تُحبه قليلًا، وإن ظلمك بضع لحظات وإن ظلمته بضع أيام أخرى حتىٰ وهو بعيد لا تحزن بل تكفيك بعض الأمور في ذهنك لا تغادرك وإن غادركَ هو، يكفيك ما بداخلك وأي سلام نفس هذا حتىٰ أنك لا تنتظر من ونيس نفسك، وطبيبُها، وحبيبُها، ونصفُها أن يؤنسك حاضرًا أمام عينيك ولا تنتظر منه حتى إعتذار علىٰ كلمة، ولا فعل، ولا ماضي ولا شئ فالمرء يدركُ كل شئ بالبعد سلام نفس أثبت لك أن لا الأرض موطنك ولا الناس ملجأك حتىٰ من أطلقت عليه هذا اللقب يومًا لا تحتاجه حتى تركته؛ لأيام لتُعيده إليك فإن كان لك ستُعيده وإن لم يكُنْ ستأتيك بمن هو لك حقًا، الخلوة بالنفس لأمر جميل لا جدال فيه كأنك تغادر أرض البشر وتصيرُ في أرض لكَ وحدك رُسمت من وحي الخيال تجدُها بينك وبينك فلا أجد أدق من هذا تعبير لوصف هذا السلام النفسي الذي أنعم اللّه علينا بِه بعد معاناة شديدة ومريرة مع اليقين بعودة الحقوق لأصحابها، وإن كُنت ظُلمت كثيرًا وبكيت مريرًا وأحببت بكل طاقتك فلا يوجد أبشع من خِذلان صديق، وهجران حبيب، وإفتقاد ونيس أيامك، ومشاعر مُحزنة ومُدمية لذاتك كأنك مطعون في كل أنحاء جسدك؛فتتذكر يوميًا أن مكسور الفؤاد بشكل مرير ومن فعلوا هذا كله أنكروا، بلَ أنكروا ولكنَّ فليفعلوا ما يشاءون يكفي النفس يقينها بعدل العادل ويكفيها عودتها، لذاتها وإن كانت كسرت قليلًا وخسرِتْ منها جزءً فلو نسينا اللّه لا ينسى مظلمتنا من عام واحد كُتبت نصوص تُبكيني بشده؛ أما اليوم نصوص آخرى تحمل الذكريات المحزنة مع إبتسامة إنتصار تعلو شفتاي بِكل كبرياء أن اللّه لا ينسىٰ وأننا حتى لا ندرى نسامح من على ماذا؟
يكفينا ندوب تبكينا وتشعرنا بقوتنا الكبيرة على التحمل، يكفينا خُصلات الشعر اللي فقدناها والأعين التي كادت تفقد بصرها من كثر البكاء والوجه الشاحب ونظرات الناس الكثيره قائله بصمت ماذا حدث؟ يكفينا تلك الصحةِ التي خسرناها وكسور النفس كالمرآة.
يكفينا قول واحد “خُذلنا من كل من ظننا فيهم خيرًا وكسرنا من كل من أحببناهم بصدق وبكينا بكل جزء مِنا فلا بأس يا نفسي ولا تيأس يا قلبي ولن تبكي عيني مجددًا يكفينا أننا لله كُنا ولله فعلنا ولله أحببنا وكنا وحدنا طيلة هذا الطريق ولا نزال بلا حبيب يفهم ولا صديق صادق ولا قريب ولا أحد بكل ما تحمله الكلمة من معنى مرير ولكنَّ معنا الله في الطريق فلا خير رفيق من الله يُعينُنا بالطريق الذي رسمناه لنا فلا بأس أن من كتبنا عنهم الأشعار والنصوص وحدثنا عنهم القمر والشمس وحتىٰ تكاد أن تنطق أعيننا وضحكاتُنا أسمائهم من شدة الحب والثقة والتعلق ومن ظننا فيهم أمانًا خذلونا فلا نلقي اللوم ولا يأتينا عتاب أبدًا فلنعالج أنفسنا بِنا فلنصلح روحنا بطريقنا وعزلتنا فلها حق كبير علينا فلنفكر بِها قليلًا يكفينا تفكير بهم فهم لم يفكروا بِنا يومًا ولا يرون خسارتنا خساره ولا الفوز بِنا فوز يكفينا أن اللّه معنا.






المزيد
الكتاب بين الأزمة والتطور بقلم سها مراد
مرآة التخلي بقلم الكاتبة كلثوم الجوراني
هل كلما تطورت التكنلوجيا يفقد الإنسان المروءة؟ بقلم وليد صديق