كتبت: هاجر حسن
يحكى أنه في قديم الزمان، كان هناك رجل معروف بالصلاح، يعيش في بيت صغير مع ابنته الوحيدة، التي كانت فائقة الجمال، طيبة القلب. كان يعاملها كأنها لؤلؤة نادرة، يخاف عليها من نسمة الرياح، فهي كل ما يملك في الحياة بعد وفاة زوجته.
كبرت الفتاة، وبدأ الخطاب يتقدمون لها، ووالدها يعيش قلقًا، خائفًا عليها، يتضرع إلى الله ليلًا ونهارًا أن يرزقها برجلٍ طيب الخلق، حسن المعاشرة. وفي أحد الأيام جاء إليها وقال:” يا ابنتي، لقد تقدم إليكِ اليوم ثلاثة رجال يطلبون يدكِ للزواج. سأخبرك بمواصفات كل واحد منهم، وعليكِ الاختيار.”
أردف قائلًا: “العريس الأول طبيب ماهر، وبارع في عمله، والثاني مهندس ذو خلق، ملتزم لا يفوت صلاة جماعة، والثالث صاحب شركة صغيرة، يملك المال والشهرة والجاه.”
صمتت الفتاة لبرهة، وهي تشعر بشيء من الاضطراب الطفيف في قلبها. بدا لها هذا الوصف غير كافٍ لاتخاذ قرار. أجابت بخجل، وعيناها تتجنب النظر المباشر إلى والدها: “لا أستطيع الحكم من الوصف فقط. أرغب في الجلوس معهم على انفراد، لأتعرف إليهم أكثر. أستأذنك أبي أن نبدأ بالمهندس، لعلي أجد فيه ما أبحث عنه.
وافق الأب على طلبها، وجاء المهندس لزيارة الفتاة. بعد اللقاء، بدا على الفتاة شيء من الحيرة، ثم أخبرت والدها بحسم أنها ترفضه. احترم والدها قراراها، ولم يعلق. مرت أيام، وطلبت الفتاة مقابلة الطبيب، بعد الجلسة، بدا الحسم أكثر في عينيها، وأخبرت والدها أنها ترفضه كذلك. شعر الأب بحيرة متزايدة، لكنه لم يتكلم. وبعد مرور يومين آخرين، والتقت الفتاة بالخاطب الثالث، صاحب الشركة، لكنها لم تكمل الجلسة معه وانسحبت، تعلن رفضها.
ترك الأب ابنته يومًا لتهدأ، وبعد أن هدأت، جلس بجانبها بحنان وسألها بصوت ملؤه القلق والحب: “يا لؤلؤتي، هل لي أن أعرف سبب رفضك لكل هؤلاء العرسان؟”
ابتسمت الفتاة برقة، ونظرة لأبيها بعينيها الحنونتين، وقالت بصوت هادئ: “يا أبي، لقد طبقت نصائح جدتي الغالية، كانت دائمًا تقول لي: “عند اختيار شريك الحياة، لا تنظري إلى المال والشهرة قبل أن تطمئني على صلته بالله، ولا تنبهري بالمظاهر قبل أن تختبري أخلاقه وسلوكه. ولا تفتني بمن ذاع صيته بمرافقته المساجد، دون أن تختبري إن كانت الصلاة أصلحته، وإن كانت أخلاقة مستمدة بالفعل من القرآن.”
ثم تابعت بصوت مليء بالحكمة والتأمل: “أما الطبيب؛ حينما تظاهرت بعدم فهم بعض أسئلته، رأيت عيناه تشتعلان بنيران غضب، وخرجت من فمه كلمة جارحة كالسيف: ‘غباء’، ثم اعتذر باعتذار بادر باردًا كحجر لا تدب فيه الحياة. كذلك عندما أخبرته بحبي لإطعام الحيوانات، عبر عن رفضه القاطع لإنفاق أي مال على ذلك، أدركت حينها أنه لا يملك الرحمة والصبر وفي قلبه بخل مستتر.”
“وأما المهندس، فقد كنت متفائلة به لحرصه على الصلاة، ولكن مثلما قالت جدتي، يجب أن تكون أخلاق الصلاة نابعة من القلب، ولا تؤدي فقط كحركات. عندما سألته ماذا سيفعل لو كنت مرهقة في يوم ولم أستطع إعداد الطعام، أجابني ساخرًا: ‘الإرهاق ليس عذرًا. أنا أريد حينما أرجع إلى المنزل بعد العمل أجد أطيب الطعام.’ شعرت أن قلبه قاسٍ، لا يفهم معنى الشراكة الزوجية وحسن المعاملة بين الأزواج.”
“وأما صاحب الشركة، فقد كان يفتخر بصداقته الكثيرة مع النساء، وكان يؤمن بالصداقة بين الرجل والمرأة. أدركت حينها أنه يفتقر إلى الغيرة، وتلك الرجولة التي يجب أن يتحلى بها شريك الحياة.”
ثم توقفت لبرهة، تتأمل ملامح والدها، وتابعت: “يا أبي، الزواج ليس حفلة ورجل يزفني بالأبيض فيها والناس يصفقون. إنه حديقة تروى بالمودة وسمادها الرحمة. بذرتها الطيبة هي حسن الخلق وجذورها العميقة هي صلاح القلب. شريك الحياة، بل يجب أن يكون لين القلب، ذا عقل منير بالعلم وتعاليم الدين، كريمًا، رفيقًا، متعاونًا، غيور على دينه، يخاف الله فيّ، ويسعى لبناء أسرة قائمة على الحب والإحترام، تنبض بالمودة وحسن المعاملة. لا يهمني المال أو الشهرة بل الأهم هو الدين والأخلاق”
انصت الأب لكلمات ابنته وهو يغالب دموع الفخر. قال لها بصوت مملؤ بالحب: “أنا فخور بكِ يا ابنتي كثيرًا، لقد أحسنتِ القول والاختيار.”
ابتسمت الفتاة في خجل وهمست: “كل هذا بفضل بذور تربيتك لي، يا أبي، وبفضل حكم جدتي الغالية. أنا من افتخر بكم.”






المزيد
عبر الزمن المجهول
إيناس وويثرب (قصة قصيرة للأطفال)
وجوه لا تُرى (قصة قصيرة)