كتبته /دعاء ناصر
برغم مرور السنون علي تلك الحكاية التي رواها لنا أبي إلا أنها لازلت محفورة في ثنايا عقلي إلي يومنا هذا.
في أحدي جلساته العصرية التي كانت عادة يومية بالنسبة لنا بعد تناول الغداء ونحن نرتشف الشاي علي مهل ..يحكي لنا مدي كرهه للقرية التي نشأ فيها وكيف كان الظلم من بني جلدته يسود ، يظلم البعض الآخر دون رحمة .
وبسبب الفقر المدقع وضيق الحال كانوا رجال أهل القرية وشبابها ينزلون البلاد الأخري كالقاهرة والأسكندرية والمناطق التي تعج بالسكان يبيعون الخضار والفواكهة لاسيما في موسم الصيف وبعضهم يقضي العام كله في العمل ومنهم من أستقروا في هذه المدن هم وعائلتهم .
ومن ضمن الرجال الذين ذاهبوا للبحث عن لقمة العيش شاب في عنفون شبابه تاركا زوجته الشابة وأطفاله الصغار وأختين كالبوم الشؤم وأبيهم .
يقطنون بالبيت الطيني الملاصق لبيت جدتي حينها كان أبي صغيراْ، لم يكمل العشر سنوات بعد .
كان الجميع يتحاشون الكلام مع أصحاب هذا البيت بسبب هاتين الأختين سليطتي اللسان قولا وفعلا ، يخافون منهم ومن كلبهم الشرس القابع أمام الباب الخشبي.
كانت جدتي تخاف علي صغارها من هؤلاء النسوة فكانت ترضخ لمطالبهم وتسكت أفواهم بالفاكهة واللحم والعيش الشمسي التي كانت تخبزه في الصباح .
وفي أحدي الليالي السوداء والناس نيام يغطون في ثباتهم العميق كان البيت المجاور تدب فيه حركة غير عادية ، بكاء وتوسلات وشتائم بأقذع الألفاظ كانوا الأختين ينهالوا علي زوجة أخيهم بالضرب والركل والأخري كانت تكتم صراختها بأمر منهم
“غصب عني ولله هو اللي تهجم عليا “
“اخرسي يا فاجرة لازم تموتي ويموت معاكي عارك”
“غصب عني هو اللي عمل كده وأنتوا مش موجودين”
“اخرسي يا فاجرة “
“اسألوه ولله أنا مليش ذنب
“لازم تموتي يازانية أنتي وابن الحرام اللي في بطنك “
“مش عايزة أموت مليش ذنب أبوكم هو اللي هجم عليا معرفتش أهرب منه “
كان الصغير يبكي بحرقة هو وأمه وهما يسترقان السمع من وراء الجدار الطيني ،يطلب بتوسل باكي منها التدخل وإنقاذ تلك المسكينة لكن أمه رفضت وهي تهمس بكلماتها باكية
“لن استطيع يا ولدي فعل هذا ،…سيذبحوننا بدون شفقة أو رحمة “
فجأة صار صوت التوسلات ضعيفا ،جاء من فه مكمم ..تجتر في شوال
أكمل الصغير رؤية المشهد فوق سطح البيت وسط الظلام الحالك مع ترقب شديد وخوف علي هذه المرأة وخوف منهما من تراه واحدة منهم .
وساورا باتجاه النيل واختفوا عن الأنظار ، يكمل أبي قصته الحزينة بأنهم ألقوا بها في النيل ولكن لم تظهر الجثة أبدا من المؤكد أنهم ربطوها بحجر كبير .
أما أبيهم صاحب هذه الفعلة الشنعاء فقد وجدوا جثته أهل القرية بعد عدة أيام مقطعة وراء الجبل وقد فعلتها ابنتيه انتقاما لما قام به .
كبر الصغير ولم تمحو من ذاكرته هذه الذكري البشعة بل علي العكس ترتعد فرائصه كلما تذكر هذه التفاصيل المؤلمة .






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق