الكاتبة: رضوى سامح عبد الرؤوف
يقول دوستويفسكي : ” يوجد شيء واحد فقط يروعني وهو ألا أكون جديرًا بآلامي”
أقف الآن برفقة مريضة شابة، اغتال المرض منها عمرًا كانت تتمناه لو كان في مكان آخر، وأما الحياة فقد سرقت منها مبكرًا السعادة والبهجة، وأبدلتها مكانهما الألم والمعاناة، تجلس أمها مقابلها ترقبها وهي تود في قرارة نفسها لو كان هذا المرض لها لا لابنتها.
لقد كانت زينة أفضل سباحة بمصر، ومتفوقة بدراستها للغاية، حتى أنها تلقت بالعام الماضي شهادة أفضل طالبة بالصف الثاني الثانوي، وكان الجميع يلقبونها بزينة النشيطة والجميلة؛ لأنها فتاة جميلة للغاية، ولديها طاقة وحيوية لا توجد بأحد، الجميع يحبونها ويريدون التقرب منها ومُصادقتها أيضًا، وأكبر داعم بحياتها هي فريدة والدتها، واللواتي يعتبرن عالمهن يتلخص بوجودهم معًا فقط وهنن سُعداء بهذا العالم الصغير.
أن زينة كانت تنتظر سباق السباحة، الذي سوف يُعد بغضون أيام، وتشعر بالحماس؛ لأن هذا السباق سوف يُحدد مَن المؤهل أن يكون ضمن متنافسين أبطال العالم بالسباحة، وفجأة تحول الحماس لتوتر شديد ظهر على وجه زينة لأول مرة رغم أنها سباحة منذُ السابعة من عُمرها، ولكن هذه أول مرة يتملك الخوف منها بهذه الطريقة؛ ولكن والدتها اخمدت شعور خوف بداخلها، وأعطتها الشجاعة التي تحتاجها زينة؛ لتحقيق حلمها المنتظر وأتى يوم السباق وكان الخوف يُفعم قلب زينة لأول مرة، واخذت إذن مدربها للتحدث إلى والدتها قبل البدء، كانت تذهب زينة إلى فريدة ببطئ شديد، وذهنها شارد بشكل كامل والخوف، والحزن واضحين بوجهها واندهشت فريدة من تلك التعبيرات التي على وجه زينة، وسألتها فريدة: ماذا حدث يا ابنتي؟
زينة: أريد التحدث معك يا أمي قبل بدء السباق.
فريدة: لماذا وجهك شاحب هكذا؟ هل أنتِ مريضة؟
زينة: لا أعلم ماذا يحدث لي اليوم يا أمي، أنني أشعر بالمشاعر مضطربة لا أفهمها، ولا أجد لها تفسير فقط اتذكر أول سباق لي عندما كنتُ في السابعة من عمري، وأرى ذكريات حياتي تمُر أمام عيناي الآن، واتذكر كل لحظة جيدة وسيئة بحياتي، وكلما حاولت التركيز على السباق ونسيان أي شيء آخر أفشل بذلك.
فريدة: ابنتي، إذا كنتِ تشعرين بالضغط والتوتر يسيطر عليكي، إعتذري عن السباق؛ لأن لا يهمني شيء بالحياة أكثر منك ومن سلامتك.
وأمسكت فريدة بيد زينها وجدتها كالثلج وترتجف بطريقة مخيفة، وأرادت إخراجها من السباق، ولكن أصرت زينة على إكمال السباق؛ لتحقيق حلمها المنتظر منذُ سنوات.
لقد بدء السباق وكانوا الجميع الفتيات يؤديين بطريقة رائعة، حتى لاحظ المدرب سكون جسد زينة بطريقة غريبة ومفاجأة للجميع، ونادى عليها كثيرًا ولكن زينة لم تُجيب، شعر المدرب بالقلق وطلب وقف السباق سريعًا، وعندما نزل بحمام السباحة وجد زينة فاقدة للوعي ولا تتنفس جيدًا؛ إنصدم الجميع وهرعت فريدة إليها وهي تصرخ باسمها، وانتقلت زينة للمستشفى فور خروجها من حمام السباحة، ولم يجدون الأطباء أي إصابة عضوية بها، وقررت الدكتورة نادية تولي حالة زينة بحكم معرفتهم السابقة؛ لأنها صديقة الدكتورة فريدة دكتورة الأمراض النفسية والعصبية، وقامت الدكتورة نادية بعمل عدة التحليل لزينة، وفريدة تعيش حالة قلق لا يتحملها أحد، خاصةً أن ماحدث لزينة حدث بطريقة مفاجأة وبدون أي سابق إنذار بظهور أي مشاكل صحية، وظلت فريدة بجانب زينة وتطمئنها وبعد يومان ظهرت نتيجة تحليل زينة؛ واكتشفت الدكتورة نادية أن زينة مريضة بالسرطان وبالمرحلة المتأخرة أيضًا، وانصدمت فريدة من سماع هذا الخبر حتى أنها انهارت تمامًا، وحاولت الدكتورة نادية تشجيعها، ولابد أن تكون قوية من أجل ابنتها وعليهن التعاون معًا، لإخبار زينة هذا الخبر الذي إنهال على زينة كالصاعقة، عندما تنصتت على حديث والدتها والدكتورة نادية، وبعد مرور ساعات بدأت الدكتورة نادية تحث زينة ووالدتها على اتخاذ القرار، ببدء العلاج والإهتمام بالتعليمات الجديدة، وليس عليهن التفكير بشيئ سوى الشفاء.
وبعد مرور ستة أشهر من العلاج الكيماوي الذي تتلقاه زينة، وهي بمفردها ليس لديها سوى والدتها، التي تُساندها بعد أن بَعد عنها الجميع منذُ لحظة سقوطها، وللأسف حالتها تتدهور بشدة يومًا بعد يوم، والألم يُفعم بجسدها منذُ لحظة استيقظها، حتى النوم بالمسكنات وفريدة تشعر بالمعاناة أكثر تجاه ابنتها، التي تعاني أمام عينيها منذُ عدة شهور ولا يوجد، ولا يوجد أي تحسن يظهر عليها أو بتقريرها الطبية، وحتى الدكتورة نادية بدأت تفقد الأمل من حالة زينة، وأخبرت فريدة أن حالة زينة ميئوس منها، والله سبحانه وتعالى هو فقط مَن يستطيع مساعدتها خارج أي طبيب؛ انصدمت فريدة وانهارت من البكاء والصراخ، وتمنت أنها لو أصيبت بهذا المرض بدلًا من ابنتها الوحيدة، حاولت الدكتورة نادية أن تدعمها وتحثها على الإيمان بالله والصبر؛ لأنهم هم المساعدين لها ولزينة الآن، وفي هذه اللحظة جاءت الممرضة، وأخبرت الدكتورة نادية أن حالة زينة تسوء، ولا يستطيعون التعامل معها وعندما ذهبوا إليها حاولت نادية مساعدتها، وإعادة النبض لها ووالدتها كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة بهذه اللحظة، وهي تترجى الله سبحانه وتعالى أن يساعد ابنتها؛ ولكن نفذ أمر الله دون أي سابق إنذار.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق