مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الونَس – الكاتبة إسلام محمد

(الوَنس)

بقلم الدكتورة/إسلام محمد
استشاريه الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتاب البحث عن الذات

الوَنس كلمة صغيرة في حروفها، عظيمة في معناها. إنّه ذاك الشعور الذي يملأ القلب بالطمأنينة حين تجد بجوارك من يشاركك اللحظة، من يُشعرك أنّك لست وحدك في مواجهة قسوة الحياة. الونس ليس مجرد حديث عابر أو صحبة مؤقتة، بل هو دفء الروح حين تلتقي بروح أخرى تشبهها أو تُكملها.

الإنسان بطبيعته اجتماعي، وقد خُلق ميّالاً إلى المشاركة والتواصل. لذلك كان الونس بمثابة البلسم لجراح الأيام، واليد التي تُمسك بك حين يثقل الطريق. ربما يكون الونس في جلسة قصيرة مع صديق وفيّ، أو في ضحكة عائلية على مائدة الطعام، أو حتى في كلمة صادقة تصل في لحظة احتياج. إنه في التفاصيل البسيطة التي قد لا يلتفت إليها الآخرون، لكنها تبني داخلنا حصوناً من الأمان.

ومن أعظم صور الونس، ونس الروح مع الله عز وجل؛ حين يُقبل المرء على الدعاء والمناجاة، فيشعر أنّه بين يدي من يسمع ويرى ويعلم، فيهدأ قلبه، وتزول غربته، ويجد في ذكر الله سكينة تفوق كل ونس دنيوي.

لكن قيمة الونس لا تظهر فقط في وجوده، بل أيضاً في غيابه. فحين نفتقده ندرك أنّ الوحدة ثقيلة، وأن الصمت الطويل قد يرهق القلب أكثر مما يحتمل. لذلك يقال إنّ أجمل ما يتركه الإنسان في حياة غيره هو لحظة ونس صادقة، تبقى ذكرى لا تزول.

الونس ليس بالضرورة كثرة أشخاص حولك، فقد تجد نفسك محاطاً بالعديد لكنك تظل وحيداً. بينما يكفي أحياناً وجود شخص واحد يمنحك دفئاً يغنيك عن العالم بأسره. فالونس الحقيقي لا يُقاس بعدد الجالسين، بل بصدق المشاعر وعمق القلوب.

وفي زمن طغت فيه العلاقات السريعة والمصالح المؤقتة، صار البحث عن الونس الصادق مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة. ابحث عن الذين يمنحونك حضورهم بصدق، الذين يملأون فراغ أيامك بالضحك، ويجعلونك ترى العالم أجمل مهما اشتدت العواصف.

فالونس حياة، ومن فقده عاش في صحراء جافة، ومن وجده امتلك كنزاً لا يُقدّر بثمن.