الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل الثالث عشر: سلامٌ على من لم يعودوا يركضون
🔹 الجزء الثاني
أتعرف ما هو أكثر ما يرهق القلب؟
أن تستمر في الجري خلف من لا يراك،
ثم تكتشف أنك كنت تهرب من نفسك، لا منهم.
الهارب لا يهرب من الناس، بل من ذاته المعلّقة فيهم،
من صورته التي لم يحبها إلا حين انعكست في أعين الآخرين.
والمطارد لا يطارد الحب، بل يطارد إثباتًا أنه يستحق أن يُحب.
لكن حين تنضج، تدرك أن لا أحد يمنحك قيمة إن لم تمنحها لنفسك أولًا.
تتوقف عن الركض، لا لأنك استسلمت،
بل لأنك أدركت أن بعض العلاقات تشبه الصحراء،
كلما مشيت فيها أكثر… عطشت أكثر.
في كل مطاردٍ، طفلٌ خائف يبحث عن الأمان،
وفي كل هاربٍ، روحٌ مجروحة تظن أن المسافة علاج.
لكن الحقيقة أن المسافة لا تُداوي،
إنما تُظهر الجرح واضحًا كما هو.
كم من هاربٍ نام مطمئنًا وهو يظن أنه نجا،
ثم استيقظ ليجد أن الهروب لا يمحو الذكريات،
بل يجعلها أكثر وضوحًا في الغياب.
وكم من مطاردٍ ظنّ أن الإصرار سيُعيد الأمور،
فأعادها فعلًا… لكن إلى الوجع الأول لا إلى الحبّ الأول.
إن التوازن في الحبّ لا يأتي من التشبّث،
ولا من الانسحاب الكامل،
بل من إدراك متى تُمسك، ومتى تُفلت.
ذلك الإدراك لا يُعلّم، بل يُكتسب بعد خساراتٍ متكرّرة،
بعد ليالٍ طويلة من الصمت،
حين تبدأ تسأل نفسك لا عن “لماذا تركني؟”
بل عن “لماذا تمسّكت أنا؟”
حين تصل لتلك النقطة،
تصير حرًّا حتى وإن لم تنسَ.
تتذكّر دون وجع، وتبتسم دون مرارة،
وتتعامل مع الذكريات كما يتعامل الحكماء مع الماضي:
كنقطة تعليم، لا كجدار يُقيمون عليه خيمة البكاء.
سلامٌ على من اكتفوا بذواتهم،
وعرفوا أن الهدوء الذي يلي الفقد… هو المعنى الحقيقي للنجاة.
#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب
#هانى_الميهى






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري