مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الهارب والمطارد – فلسفة التعلق والانسحاب “الفصل السابع: الجزء الرابع والأخير” – الكاتب هاني الميهى

📘 اسم الكتاب: الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب
✍️ اسم الكاتب: هانى الميهى
الفصل السابع: حين يتعب المطارد ويقرّر الرحيل

🔹 الجزء الرابع والأخير
حين يقرر المطارد الرحيل، لا يعلن ذلك في بيانٍ رسمي، ولا يلوّح به كتهديدٍ أخير.
الرحيل الحقيقي لا يحتاج تصريحًا، لأنه لا يُوجَّه لأحد، بل يُوجَّه إلى الذات.
الذين يرحلون بعد صمتٍ طويل لا يفعلونها بدافع الكِبر،
بل لأنهم أدركوا أن الاستمرار في اللهاث هو خيانةٌ لأنفسهم.
إن التعب لا يأتي فجأة، بل يتراكم كطبقات الغبار على قلبٍ كان يومًا مضيئًا.
في البداية يُبرّر، ثم يُنكر، ثم يحاول أن يُنقذ ما لم يعد يُنقذ.
لكن يأتي اليوم الذي يرى فيه بوضوحٍ أن الحب وحده لا يكفي،
وأن التوازن في العلاقات ليس ترفًا عاطفيًا، بل شرطًا للبقاء النفسي.
لقد أدرك المطارد أن من لا يبادلك السعي، لا يراك.
ومن لا يسمعك إلا حين تصرخ، لا يستحق أن يسمعك حين تهمس.
ومن يتركك لتواجه وحدك شكوكك وتساؤلاتك،
لم يكن يومًا في صفّك، بل في صفّ نفسه فقط.
حين رحل، لم يحمل شيئًا سوى وعيه الجديد.
لم يعد يبحث عن تفسيرٍ أو وعدٍ أو تبرير،
بل عن هدوءٍ يعيده إلى نفسه.
ربما سيشتاق أحيانًا،
لكن الشوق شيء، والعودة إلى ما أوجعك شيء آخر.
وفي لحظة الوداع الأخيرة — تلك التي لا يراها أحد —
ألقى نظرةً طويلةً على الباب الذي أغلقه،
وقال في داخله: ليس الغياب ما يُؤلم، بل ما نراه بعد الغياب من حقيقتهم.
ابتسم، لا سخريةً ولا انتقامًا، بل امتنانًا؛
امتنان لمن خذله لأنه بذلك فتح له باب الإدراك.
وامتنان لنفسه لأنها قاومت حتى تعلّمت أن تختار السلام على الوجع.
لقد انتهى الركض.
والمطارد الذي تعب لم يخسر،
بل تحوّل من عاشقٍ يلهث خلف من لا يريد،
إلى إنسانٍ يرى قيمته بوضوحٍ ولا يطلب تصديق أحد.
إنه لم يعد ينتظر أن يُفهَم،
فهو أخيرًا فهم نفسه.
وهكذا، حين يتعب المطارد ويقرّر الرحيل،
لا يغادر المكان فقط… بل يغادر الدور الذي لم يَعُد يناسبه.

#الهاربوالمطاردفلسفةالتعلقوالانسحاب
#هانى_الميهى