مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

القرية التي مُنحَت المغفرة بقلم سيّدة مالك 

القرية التي مُنحَت المغفرة بقلم سيّدة مالك

 

ماتت سينه بعد أن كانت تنظرُ إلى العشب وأقدامُها ظلّت مُلتصقة ببعضها ، وفراشاتٌ زرقاء هوت عليها ، فأمسكت بها وسحبتها بعيدًا ، تفاجأت القرية بمرور سينه على سطح بيوتهم بوجهها السمح ، وجسدها الهزيل وهندامِها الذي كان مكويًّا فلم تشكّ القرية في موتها ، كانت بهذه الهيئة المهذبة والعليلة تعتذر للربِّ على سوء تصرفها حينما قررت أن تسرق بطاطا مشويّة من جارها ناظِم الذي تمدّد طولًا من الألم و ظلَّ ينظر إلى السماء حتّى طلعَ فيها قمرها وأزاح شمسها ، حينها قرر بعجزٍ أن يلجَ إلى منزلهِ وأن يتلكأ غدًا ويحدِّق بصورةٍ أعمق في السحب العابرة والنوارس الهادِرة التي تعبرهُ ظانًّا أنّهُ في حال صمدَ أكثر لربما أعادت جارته ما سرقتهُ .

 

وفي صباح اليوم التالي لفعلتها وقبل أن تموت ، عوقِبت سينه من السماء بأن يتساقط شعرُها المُجعد ، حتى كادت أن تُصاب بالجنون من ذلك وحرقت لسانها فور تناولها لقمةً من البطاطا المشوية التي تعمّدت سرقتها من فرن ناظِم لمّا راح يتأمل مدى جمال الخِراف التي يمتلكها ، وأطال النظر في طريقةِ سير زوجتهِ الغريبة ، فذكر الله ثلاثًا وعصر عينيهِ مثلما يعصرُ ليمونة حتّى يتأكد من بلوغ زوجتهِ نهاية الشارع بتلك الهيئة الجذّابة ولمّا شاهدها وقد اختفت راح يُغني ، وسُرِق طعامهُ في لحظةٍ بين تأمُّل زوجته وثناءَهُ على خِرافهِ لكنّه غير قادر على تحديد الدقيقة بالضبط ذلك أن الساعةُ لم تكن في يدِهِ وإنما في يد أحد أبنائهِ ، ناظم لديه ثمانية أطفال وخِراف وبط وجيرانٌ كُثر نسيَ أسماء أغلبهم ولسوء الحظ فهم يسمعون غناءَهُ كل صباح .

وعرِف معظمهم بالسِرقة ، ومن الضحك توقَّف قلبُ أحدهم .

وسار ناظم في جنازته .

 

ولمّا تراكمت الأيام كانت التراب تمتصُّ سينه جِلدًا جِلدًا ، عَبثَتْ في عقلِ أحد سكان الحي فكرةً حول سينه ولاحظ أن زجاج غرفته لم ينكسر ، فحسّ بأن الفتاة إما غادرت القرية أو أنها صارت مُهذَّبة .

 

ولأن الفراشات بناتٌ للغابة فقد حملنَ الجسد نحو الأم ووضعنهُ في طريقٍ وعِر وخاوٍ .

وبعد أن بُعثت سينه في جوفِ العيون والأذهان ولم تظهر فقد نُسي أمرها ودخل ناظِم إلى منزلهِ باكرًا وقال في نفسهِ غدًا أبحثُ عن سينه بعد أن تُغادر الشمس وقبل أن يطلع القمر .