مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل الرابع: كل شيء… إلا نفسي بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل الرابع: كل شيء… إلا نفسي
الكاتب هانى الميهى

لم يكن ينقصني شيء…
على الأقل، هذا ما كان يبدو.
كنت أتحرك، أنجز، أملأ يومي،
أحقق ما كنت أظنه مطلوبًا مني.
كل شيء كان في مكانه…
إلا أنا.
لم ألاحظ ذلك فورًا.
لأن الفقدان أحيانًا لا يكون صاخبًا،
بل هادئًا… لدرجة أنك تعتاد عليه.
كنت أمتلك جدولًا ممتلئًا،
لكن داخلي…
كان فارغًا.
وكلما حاولت تجاهل هذا الفراغ،
امتلأ أكثر.
الغريب أنني لم أشعر بالخسارة،
بل شعرت بالإنجاز.
وهنا كانت المشكلة.
أنك قد تخسر أهم شيء في حياتك،
وأنت تظن أنك تتقدم.
كنت أعرف ماذا أفعل…
لكنني لم أكن أعرف لماذا.
أتحرك وفق ما “يجب”،
لا وفق ما “أريد”.
والفرق بينهما…
هو الفرق بين الحياة، والنسخة المؤجلة منها.
كنت أعيش حياة مقبولة،
لكنها لم تكن لي.
أشبه بشخص يؤدي دورًا بإتقان،
لكنه نسي…
أنه يمثل.
لم أسأل نفسي يومًا:
“هل هذا أنا فعلًا؟”
لأن السؤال كان مخيفًا.
ماذا لو كانت الإجابة: لا؟
كنت أملك آراء…
لكنها لم تكن نابعة مني.
أكرر ما سمعت،
وأتبنى ما يُتوقع مني،
وأتصرف كما “ينبغي”.
حتى مشاعري…
لم أكن متأكدًا إن كانت حقيقية،
أم مجرد انعكاس لما حولي.
كان هناك انفصال صامت…
بيني وبين نفسي.
لا صراع واضح،
ولا قرار حاسم،
فقط… مسافة.
مسافة تكبر مع الوقت،
كلما تجاهلتها.
كنت أُرضي الجميع،
وأخسر نفسي بهدوء.
أوافق، أُجامل، أستجيب،
حتى أصبحت لا أعرف…
ماذا أريد أنا.
وفي لحظات نادرة،
حين أكون وحدي،
كنت أشعر بشيء غريب.
كأنني لا أعرف هذا الشخص.
أنظر إلى حياتي…
ولا أشعر أنها تخصني بالكامل.
لم يكن هناك خطأ واضح،
ولا كارثة،
لكن كان هناك شيء ناقص…
شيء لا يُرى،
لكنه يُشعَر.
كنت أظن أن المشكلة في الظروف،
في الوقت،
في الضغط.
لكن الحقيقة…
أنني كنت غائبًا.
كنت حاضرًا في كل شيء…
إلا نفسي.
وكلما حاولت أن أقترب من هذا الغياب،
أشعر بعدم راحة.
كأنني أقترب من حقيقة
لا أريد رؤيتها.
كنت أخاف أن أكتشف
أنني لا أعرف نفسي.
وأن كل ما بنيته،
لم يكن نابعًا مني.
وهذا النوع من الخوف…
لا يُقال.
يُخفى خلف الانشغال،
ويُغطى بالإنجاز،
ويُدفن تحت عبارة:
“أنا بخير.”
لكنني لم أكن بخير.
كنت فقط…
مشغولًا بما يكفي لأتجاهل ذلك.
النجاح الخارجي
كان يخفي هشاشة داخلية.
وكلما زاد الأول،
احتجت أن أخفي الثاني أكثر.
كنت أضيف المزيد من المهام،
المزيد من الأهداف،
المزيد من الحركة…
ليس لأتقدم،
بل لأهرب.
الهروب من سؤال بسيط:
“أين أنا في كل هذا؟”
وفي أحد الأيام،
لم أجد إجابة.
جلست…
وحاولت أن أبحث عن نفسي
داخل كل ما أملك.
لم أجدها.
وجدت أدوارًا،
إنجازات،
مسؤوليات،
علاقات…
لكنني لم أجد نفسي.
كان شعورًا صادمًا،
ليس لأنه مفاجئ،
بل لأنه كان موجودًا طوال الوقت…
وأنا أتجاهله.
أدركت حينها،
أن أسوأ أنواع الفقد…
ليس أن تخسر شيئًا،
بل أن تخسر نفسك
وأنت لا تلاحظ.
لم يكن لديّ تفسير واضح،
لكن كان لديّ إحساس قوي:
أنني بنيت حياة كاملة…
بدون أن أكون فيها.
وهنا بدأ يتشكل إدراك جديد،
بطيء… لكنه حقيقي:
أن الامتلاء الخارجي
لا يعوض الفراغ الداخلي.
وأنك قد تملك كل شيء…
وتبقى بلا شيء.
وهذا ما كنت عليه تمامًا.
كل شيء…
إلا نفسي.

رسالة الفصل:
يمكنك أن تحقق كل ما يُطلب منك…
وتفقد أهم ما تحتاجه:
أن تكون حاضرًا في حياتك.

تمهيد الفصل القادم:
ورغم هذا الفقدان الصامت…
لم أتوقف.
بل استمريت في نفس السباق…
سباق لم أختَره من البداية.