مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل الأول: من أين تُقاد؟ بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل الأول: من أين تُقاد؟
الكاتب هانى الميهى

في كثير من الأحيان،
لا يحتاج الإنسان إلى من يُجبره على شيء…
يكفي فقط
أن يلمس العالم منطقة ضعفه الصحيحة.

رجل يقبل الإهانة بصمت،
ليس لأنه بلا كرامة،
بل لأنه يخاف أن يعود وحيدًا.

وشخص يرهق نفسه في العمل،
لا حبًا في النجاح كما يظن،
بل لأنه يشعر في أعماقه
أن قيمته مرتبطة بما يحققه.

وآخر يتبدل رأيه وملامحه باستمرار،
فقط ليظل مقبولًا
وسط الناس.

المشهد يتكرر كل يوم،
بأسماء مختلفة،
وحكايات تبدو متباعدة،

لكن شيئًا واحدًا
يجمعها جميعًا:

أن الإنسان
نادراً ما يتحرك
من مكانٍ ممتلئ.

غالبًا،
نحن نتحرك من النقص.

من خوفٍ قديم،
أو احتياج لم نفهمه جيدًا،
أو فراغ نحاول ملأه بأي شيء.

ولهذا،
فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان،
ليس أن يكون ضعيفًا…
بل أن يجهل
من أين يُهزم

بعض الناس
تستطيع أن تقودهم بكلمة حنان.

ليس لأنهم سذّج،
بل لأنهم حُرموا طويلًا
من الشعور بأنهم مهمّون لأحد.

وبعضهم
يمكن أن يفعل أشياء كثيرة
فقط خوفًا من العجز،
أو من الإحساس الثقيل
بأن الحياة قد تهزمه ماديًا.

وهناك من يعيش عمره كله
يركض خلف الصورة المثالية،
ويُرهق نفسه في إثباتها،
ليس حبًا في الكمال،
بل خوفًا من نظرة الناس
حين يسقط القناع.

كل إنسان تقريبًا،
له باب يدخل العالم منه إليه.

وكلما كانت هذه الأبواب
غير مفهومة،
صار الإنسان أكثر قابلية
لأن يُقاد دون أن يشعر.

المشكلة أن أغلبنا
لا يتوقف ليسأل نفسه:

“لماذا أفعل ذلك فعلًا؟”

نحن نكتفي غالبًا
بالأسباب السطحية الجاهزة.

أقول إنني أحب هذا الشخص،
لكنني لا أسأل:
هل أحبه فعلًا…
أم أحب الإحساس الذي يمنحني إياه؟

أقول إنني أريد النجاح،
لكنني لا أسأل:
هل أريده لأنني أحبه…
أم لأنني أخاف أن أبدو أقل من الآخرين؟

أقول إنني أتحمل كثيرًا من أجل الناس،
لكنني لا أسأل نفسي أبدًا:
هل هذا نُبل…
أم خوف من أن يتركني الجميع؟

الحقيقة المؤلمة،
أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة
يظن أنه يختار حياته بحرية،

بينما كثير من اختياراته
لم تكن سوى ردود فعل
لاحتياجات خفية بداخله.

ولهذا،
لا يكفي أن تسأل نفسك:
ماذا تريد؟

السؤال الأهم دائمًا:
من أي مكان داخلك
تريد؟

لأن الرغبات ليست كلها متشابهة.

هناك رغبة تأتي من السلام،
ورغبة تأتي من الخوف.

رغبة تُشبهك،
ورغبة تحاول فقط
أن تُخفي ألمًا ما.

وفي الحياة،
الناس لا يُستغلون دائمًا بالقوة،

بل غالبًا
بما ينقصهم.

الشخص الذي لم يعرف التقدير،
قد يتعلق بأي اهتمام عابر.

والذي يخاف الوحدة،
قد يبقى في أماكن تؤذيه طويلًا.

ومن يشعر داخليًا أنه غير كافٍ،
قد يظل طوال عمره
يحاول إثبات نفسه…
حتى ينسى أن يعيشها.

وهنا،
يتحول الاحتياج من شعور إنساني طبيعي،
إلى نقطة قيادة

وهذا لا يعني
أن الاحتياج عيب،
أو أن القوة تعني التبلد.

فالإنسان خُلق محتاجًا:
للحب،
والأمان،
والرحمة،
والقبول،
والطمأنينة.

لكن الفرق الكبير،
بين إنسان يعرف احتياجاته،
وإنسان تتحكم فيه احتياجاته.

الأول…
يفهم نفسه،
فيختار بوعي.

أما الثاني،
فيظل يركض طوال حياته،
دون أن يفهم
لماذا يتعب بهذا الشكل.

ولهذا،
فإن النضج الحقيقي
لا يبدأ حين تصبح أقوى من الجميع،

بل حين تصبح أكثر وضوحًا
أمام نفسك.

حين تعرف:
ما الذي يهزك؟
ما الذي يخيفك؟
ما الذي يجعلك تتعلق؟
وما الذي يدفعك أحيانًا
للتنازل عن نفسك
وأنت تظن أنك فقط
“تحاول النجاة”.

الإنسان الذي يفهم نفسه،
لا يصبح خارقًا،

لكنه يصبح أصعب في الكسر،
وأقل قابلية للاستغلال،
وأهدأ أمام الإغراء،
وأصدق في اختياراته.

وربما لهذا،
فإن أخطر رحلة في الحياة،
ليست أن تكتشف العالم…

بل أن تكتشف
من أين يستطيع العالم
أن يقودك.

رسالة الفصل:

ما لم تفهم احتياجاتك الخفية، سيظل العالم قادرًا على قيادتك من خلالها دون أن تشعر.

تمهيد الفصل القادم:

لكن من بين كل مناطق الضعف الإنسانية…
يبقى الاحتياج العاطفي
هو الباب الأكثر اتساعًا لدخول الآخرين إلى قلوبنا.