مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العنف الأسري جريمة صامتة – الكاتبة آلاء بدران حجازي

العنف الأسري جريمة صامتة

آلاء بدران حجازي

في زحام الحياة اليومية، وفي ظل الصراعات الاقتصادية والاجتماعية، باتت البيوت التي يُفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، تُخفي خلف جدرانها مشاهد مؤلمة لا تُرى، وأصواتًا مكسورة لا تُسمع. العنف الأسري ليس خلافًا عابرًا بين أفراد العائلة، بل هو جريمة صامتة، تُرتكب في الخفاء، وتترك آثارًا عميقة في النفس والروح، قد لا تُمحى أبدًا.

العنف الأسري يأخذ أشكالًا متعددة، قد يكون جسديًا ظاهرًا على الجسد، أو نفسيًا خفيًا ينهش الداخل، أو لفظيًا يُهين الكرامة، أو حتى اقتصاديًا يُقيّد الاستقلال. وغالبًا ما يكون الضحية امرأة أو طفل، يُجبر على الصمت، إما خوفًا، أو حياءً، أو عجزًا عن المواجهة.

المؤلم في هذه الجريمة أنها محاطة بثقافة مريضة تُبررها، ومجتمع يُطالب الضحية بالصبر بدلًا من الحماية، ويُدين من يصرخ بالألم بدلًا من مُعاقبة من تسبب فيه. كم من امرأة عانت لسنوات خلف الأبواب المغلقة، وكم من طفل نشأ مشوهًا نفسيًا، لأنه شاهد أباه يضرب أمه كل ليلة دون أن يستطيع أن يفعل شيئًا.

آثار العنف لا تتوقف عند حدود البيت، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فالعنف يولّد مزيدًا من العنف، ويُخرج أجيالًا مرتبكة، خائفة، مشوشة في مفاهيم الحب والاحترام والتواصل. الطفل الذي يرى العنف يوميًا، إما أن يصبح عنيفًا، أو ضحية سهلة له في المستقبل.

التوعية هي السلاح الأول لمواجهة هذه الجريمة. لا بد من الحديث عنها، كسر الصمت، كسر الخوف، دعم الضحايا نفسيًا وقانونيًا، وتربية الأجيال القادمة على مفاهيم الرحمة والتفاهم لا السيطرة والقهر.

لن تُشفى مجتمعاتنا ما دامت تُربَّى على الخوف، وتُسكِت الأصوات التي تطلب الحماية، وتلوم الضحية بدلًا من إنصافها.
العنف الأسري ليس شأنًا خاصًا، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.
فلنتكلم، لنتصدّى، ولنُدافع عن الإنسان أينما كان.